إنَّ بَعْثَ مجلة"العصور"التي كان يقوم على تحريرها، ويتولَّى إصدارها صديقي (إسماعيل مظهر) عملٌ قد نصَبْتُ نفسي له، وفرغتُ من كلِّ شيءٍ في سبيل تحقيقه.
لقد كان مما يَسعني أن أُصدرَ مجلةً أخرى باسمٍ آخَرَ، وأنهجَ لها عين المنهج الذي أريدُه الآن"للعصور". ولكنَّ تاريخًا قديمًا ينبعث من بعض نواحي القلب يدفعني إلى أن لا أختار إلاَّ ما اخترتُ؛"فالعصور"الأُولى التي كان يقوم بأمرها إسماعيل إنما كانت ثمرةَ مبدأ اعتقده صاحبه واستمسكَ به، وخفَّ له، ونافح دونه، ورمى به إلى غرضٍ، وفي الطريق إلى غرضه أصاب إسماعيلُ وأخطأ، وأحسنَ وأساءَ، وأثار إلى نفسه مَنْ يُحِبُّ ومَنْ يُبْغِض، واحتقب [2] في ذلك شرًّا كثيرًا وأصاب بعض الخير.
لقد ميَّز"العصور"الأولى عن سائر ما كنتُ رأيته من المجلات أنَّ صاحبها أنشأها لمبدأ تقوم عليه وتعمل به، واستمرَّ يُلاقي في سبيله ما يُلاقي من شرِّ نفسِهِ وشرِّ الناس، حتى اندفعت به الحوادث إلى مصائبها ونَكَبَاتها فَصَرَفَ وجهَه اضطرارًا، وفاءَ إلى سَكْتَةٍ ظاهرةٍ، يعمل من ورائها قلبٌ مشبوبٌ.
إنَّ الشركة بيني وبين إسماعيل في أصل المبدأ الذي قامت عليه"العصور"الأولى هو الذي جعلني أتجاوز ابتداءَ مجلةٍ إلى بَعْثِ مجلةَّ، وأيضًا... لقد عملت"العصور"عملًا لا يُنْكَر أثرُه في الفكر العربي الحديث، وسواءٌ علينا أكان هذا الأثر ممَّا نَرضى عنه أم كنَّا نُعارض فيه ونقف دونه، ونخالِف على صحَّته أو بطلانه.
وعقيدتي أن حقيقة الحياة هي المبدأ والإيمان به، وبغيرهما ينقلب الإنسان آلةً عاملةً، لا يعرف معنى الإيجاد والإبداع والمقاومة، والنزوع العقلي والرُّوحي إلى المعاني السامية والفضائل العُلويَّة.
وكذلك يفقد الإنسان الحياةَ، وكذلك يضيع التراث الإنساني الذي جاهدت أجيالُ البَشَرِ الغابرةُ في سبيله، بما وُهبت من قوةٍ، وما أُعينت به من وسيلةٍ.