إنَّ هذا الطاعون الوبيء الذي انتشر في الشرق - وفي الشرق العربي والإسلامي خاصةً، طاعون الضعف - قد فَتَّ كلَّ خيرٍ فينا وأحاله إلى فساد، فاختلفتِ الأنظار إلينا هازئةً ساخرةً بنا.. كَلاَّ؛ بل هازئةً ساخرةً بالمجد المخلَّف من عصور آبائنا الأمجاد... كلا كلا؛ بل اختلفت أنظارنا (نحن) إلى هذا الميراث النبيل بالهُزْء والسخرية والاحتقار؛ فصارت الناشئةُ منَّا إلى ازدراء ما وَرِثْنا من علم وفن وأدب ودين، وشريعةٍ اجتماعية، وفضيلةٍ أخلاقية، واندفعت إلى ما بَهَر أبصارَها من مَدَنِيَّات الأُمم.
وارَحْمَتَاهُ لنا... إنَّ الضعف قد أيقظ في الإنسان الشرقيِّ الطبيعةَ المنتكِسة، الطبيعةَ (القِرَدِيَّةَ) ، طبيعة التقليد على غير هُدًى في بصيرة النفس، والفرحِ بغير انبساطٍ في حرية العقل، والفِكْرِ بغير تأمُّلٍ في عواطف القلب، والعملِ بغير ضابطٍ من قلب أو عقل أو بصيرة.
وأيُّ خيرٍ يُرجى لمثل هذا الإنسان الذي لا تحرِّكه إلا أدنأ الطبائع، وأحطُّها مرتبةً عن الإنسانية العالية السامية، التي يجب أن تتفوَّق في الإنسان المهذَّب على الإنسان الوحشيِّ المريض فيه؟!
أَكتبُ هذه الكلمة، وأنا أعلم أنَّ عمل الصَّحافة اليوم قد خرج عن أن يكون مقالًا أدبيًّا يكتبه أديبٌ متمكِّنٌ، أو قطعةً فنيةً يصوِّرها فنانٌ مبدِعٌ، أو قصيدةً دُرِّيَّةً تتلألأ على الذُّرى العالية؛ ليسمو الشاعر برواته وقرَّائه إلى أحلامها الجميلة الرائعة، تَحَفُّها أناشيدُ النفوس الرقيقة التي عَذَّبَها الأسْر في السجن الآدمي المسمَّى بالجسد.