وأنا حين فكَّرتُ في بَعْث"العصور"واحتمال تكاليف الحياة الصُّحُفيَّة، لم أُلْقِ كثيرَ بالٍ إلى مَشَقَّة المال، وهو أصلٌ في قوَّة الصحافة، ولا في النَّصَب الذي يَهُدُّ الجسد؛ لأن الرُّوح يجب أن تبقى مستعليةً بشبابها على عَجْز البدن، ولا في الآلام التي سأحملها في كلِّ شيءٍ؛ لأن الآلام هي التي تجدِّد عزم الإنسان، وتدْفَعُه إذا عَرَف كيف يحتملها مبتسمًا راضيًا.
لم أفكر في هذا ولم أُلْقِ بالي إليه، وإنما فكَّرتُ في المبدأ الذي يجب عليَّ أن أُحَدِّده لنفسي تحديد الذي يريد أن يَشْرَعَ في عملٍ يَنْتَظِمُ، وفي الغرض الذي يجب أن أُسدد إليه كلَّ سهمٍ من سهامي في هذا العمل.
إنَّ مَبْدئي ومَبدأ أصحابي - ممَّن أرتضي أن يَشْرَكَنِي في هذا العمل - هو الجهاد في سبيل القوة التي نملك بها القدرة على الاحتفاظ بهذه الحريات، والنظام الذي يسدِّد خُطانا في العمل بقوَّةٍ وحرية في إيقاظ الشعوب المستضعفَة العاجزة.
إن هذا المُجْمَل الذي تنطوي تحته أسرارُ اليقظة، يشمل الحياة الاجتماعية العربية والإسلامية كلها: حياة الفرد؛ من حيث إنه أصلٌ في تكوين الجماعة وتكييفها، وحياة الجماعة؛ من حيث إنها اشتراكٌ بين الأفراد لتكوين شعب مثقَّفٍ عالٍ عاملٍ، ويشمل الحياة الأدبية والعلمية والعملية، أوِ الحياة العقلية كلها مستغلَّةً ومنتجةً.
من وراء هذا المبدأ البسيط أهوالٌ:
أهوال النَّظر في كل ما يمتُّ إليه بسببٍ من أشياء الحياة.
وأهوال العمل على تنفيذ السياسة التي نَتَّخذها لكلِّ إرادة من إرادات الخير للمنفعة.
وأهوال التنبُّه للخطأ: كيف ينشأ، وكيف يُصلح.
وأهوال الخطر: من أين يقبل علينا وكيف يُتَّقى.
وفوق ذلك: قول الترفق على هون، والتلطُّف للنفوذ بما نريد إلى المكان الصالح؛ لاستنبات المبادئ الصالحة والأعمال الناجحة.