فهذه الآثارُ كلها تدل على توقير أهل القرآن، وأن إجلالهم من إجلال القرآن، بل من إجلال مُنزِل القرآن جل وعلا.
ولقد كان للمحتل الغاصب وأذنابه سعيٌ دائم وحثيث وخبيث من أجل تصوير أهل القرآن بما لا يليق بغيرهم فضلاً عنهم، كما سعوا ليكونَ قدرُ أهل القرآن ومعلميه مَهيناً في سلم الوظائف حتى ينفروا الأمة من كتاب ربها والتمسك به، فصار الجميعُ يحرصون أن يكون أبناؤهم من أهل العلوم الأخرى غير القرآن كي يعظم أمرُهم في المجتمع، إذ لا سبيل إلى المكانة الاجتماعية إلا بتلك العلوم التطبيقية، هكذا صوروا الأمر للناس، ولقد أعانهم كثيرٌ من الطيبين دون شعور منهم في تحقيق ذلك الهدف، وذلك بالإيحاء والتعامل مع أهل القرآن بما لا ينبغي.
فلابد من تغيير هذه النظرة؛ بتقديم أهل القرآن، وتعظيم شأنهم، وهو ما أوجبه الله -تعالى- لهم، وذلك من أجل أن نقوم بما أوجب الله علينا في حقهم أولاً، ثم من أجل أن ندفع بأبنائنا إلى القرآن والتمسك به ثانياً.
إننا نتوقُ لرؤية اليوم الذي يتمنى فيه كلُّ واحد من أبنائنا أن يكون معلماً للقرآن، مُتقناً له ضابطاً سلوكَه به، كما يتمنى الكثيرون اليوم أن يلتحقوا بكليات الطب والهندسة وغيرها.
بل إن بعض أهل القرآن أصيب بشيء من الانهزامية من جَرَّاء هذا الواقع المرير، فتجده ينظر بإعظام إلى أهل العلوم التطبيقية ويقدمهم لما عندهم من تلك المعارف على نفسه ناسيًا أو متناسيًا أنَّ في جوفه كلامَ رب العالمين، وأنه بذلك من خيار الأمة.
وقد تجد داء الانهزامية هذا في بعض طلاب كلية الشريعة فلا تراه يعتز بما معه من العلوم الشريفة، وربما اجتمع الشبابُ في مجلس فسأل بعضُهم بعضًا أين تدرس؟ فيجيب بعضهم معتزًا: في كلية الطب، ويقول الآخر: وأنا في كلية الهندسة، ويطأطأ ثالثُهم رأسه قائلا: لما كان معدلي ضعيفًا لم أجد غير كلية الشريعة!