فأما ما كان دائراً في فلك الحق، الذي تقول به طوائفُ من أهل السنة وطوائفُ ممن عداهم؛ فلا يقع الإشكال فيه أصلاً، إلاّ إشكالٌ من قبيل الدائر بين أهل السنة أنفسهم، ولهذا؛ فإن ثمة فرقاً بين مؤتمرات التقريب بين أهل السنة ومؤتمرات التقريب بين الطوائف المِلِّيَّةِ الأخرى، ومع ذلك -وللأسف- لا يكاد يكون وجود الأولى المرضي كالثانية، والعجيب أن بعضهم يتحمس للثانية، وقد يحجم عن الأولى!!
إن مثار الخلاف ومحل الإشكال بين هذين الفريقين، السنة والشيعة، على سبيل المثال، الذي يعطي خصوصية التسمية والتقييد بهذين؛ ليس هو المشترك بين أرباب المذاهب، فضلاً عن أهل السنة خاصة.
بل إن الحق المشترك -بهذا القدر- بين بعض أهل السنة، دون بعضهم، وبين بعض أهل البدعة؛ التقريبُ فيه حاصلٌ أصلاً؛ باعتباره قولاً معتبراً عند طوائف أهل السنة المخالفين لأهل الحق من أهل السنة في الجملة.
فلم يبق إلاّ تقريب من قبيل جعل عين الحق وعين الرَّفْض دائرة واحدة، وهذا ما لا يكون إلاّ إذا توحدت الرؤى واتفقت الحقائق المختلفة، إما بتغيير إحداهما، أو بتغيير كليهما؛ حتى تتشابها وتلتقيا في نقطةٍ وسط، لها خصائصُها الخالطة بين الحق والباطل!!
وهذا ما لا ينسجم إلاّ مع أصحاب نظرية الحق النسبي الذي لا يتمحض أبداً؛ فالحق عندهم لا معالمَ توضحه، ولا شريعة تحسم أمر بيانه، بل هو ملتبسٌ مختلطٌ، دائرتُه واسعة، تشمل أصحاب المذاهب المختلفة.
وإذا كان الحق كذلك؛ فلا عجب أن يوسِّع هؤلاء دائرة الحق النسبي؛ فيجعلوا الفِرَقَ الإسلامية البائدة والمعاصرة -جميعهم- من أهل هذا الاجتهاد المصيب قائلُه، وإن تناقضت الأقوال، ومن البدهي أن يكون حديثُ (( افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلاّ واحدة.. ) )-في فهم هؤلاء- عائدٌ إلى أمة الدعوة، لا أمة الإجابة.