ما رواه مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) ) [13] [14] .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة كما صلى، ولم يخطب وحده، وإنما خطب بحضرة العدد الذين تنعقد بهم الجمعة [15] .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الأول: أن هذا استدلال بالفعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
الثاني: أن هذا الدليل - على تقدير القول بأنه يدل على الوجوب - لا يقتضي اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة، وإنما يتحقق بحضور عدد يستمع الخطبة.
ثانيا: من المعقول:
1-أن الغرض من خطبة الجمعة الوعظ والتذكير، وذلك ينافي كون الخطيب وحده [16] .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بالوجه الثاني من وجهي مناقشة الدليل السابق، من أن ذلك لا يتطلب اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة، فيتحقق غرض الوعظ والتذكير بحضور أيّ عدد.
2-أن الخطبة ذكر جُعل شرطًا في صحة الجمعة وانعقادها، فوجب أن يكون من شرطه اجتماع العدد، كتكبيرة الإحرام [17] .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الأول: أن اعتبار الخطبة شرطًا في صحة الجمعة محل خلاف بين الفقهاء، فمنهم من لا يعتبرها شرطًا - كما تقدم - فلا يلزمه هذا الدليل.
الثاني: أنه قياس مع الفارق، فإن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة، وقد ثبت اشتراط العدد فيها - أي الصلاة - بأدلة خاصة، بخلاف الخطبة فليست جزءًا من الصلاة، والله أعلم.
دليل صاحب القول الثاني:
أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة، فلم يشترط له العدد، كالأذان [18] .
مناقشة هذا الدليل: نوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأذان ليس بشرط، وإنما مقصوده الإعلام، والإعلام للغائبين، والخطبة مقصودها التذكير والموعظة، وذلك يكون للحاضرين، كما أنها مشتقة من الخطاب، والخطاب إنما يكون للحاضرين [19] .
الترجيح: