فهرس الكتاب

الصفحة 17321 من 19127

فيكفيكَ من ذلك أنَّه كُسِرَتْ رباعيَّته يوم أُحُدٍ وشُجَّ وجهه؛ فشقَّ ذلك على أصحابه؛ فقالوا له: لو دعوتَ اللهَ عليهم! فقال: (( إنِّي لم أُبْعَث لعَّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رحمةً ) ) [5] ، ثم قال: (( اللَّهمَّ اهْدِ قومي؛ فإنَّهم لا يعلمون ) )!!.

فانظروا - عباد الله - لما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات الإحسان وحُسْنِ الخلق، إذ لم يقتصر على السُّكوت عنهم حتى عفا، ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا، وشفع لهم، ثم أظهر سبب الشَّفقة والرَّحمة بقوله: (( قومي ) )، ثم اعتذر عنهم لجهلهم فقال: (( فإنَّهم لا يعلمون ) ).

وكذلك جاء أعرابيٌّ جِلْفٌ جافٍ، وكان على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بُرْدٌ غليظُ الحاشية، فجذبه الأعرابي بردائه جَبْذًا شديدًا، حتى أثَّرَ حاشيةُ البُرْدِ في صَفْحَة عُنُقِه، ثم قال: يا محمَّد، احملني على بعيرٍ من مال الله الذي بيدكَ؛ فإنَّكَ لا تحملني من مالكَ ولا من مال أبيكَ!. فسكت النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: (( المال مالُ الله، وأنا عبده ) ). ثم قال له: (( لم فعلتَ بي ما فعلتَ؟! ) ). قال: لأنَّكَ لا تكافئ بالسَّيئة السَّيئةَ. فضحك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم أمر أن يُحمَل له على بعيرٍ شعيرٌ وعلى آخَر تمرٌ )) .

وكذلك قال له آخَر: اعْدِلْ يا محمَّد؛ فإنَّ هذه قسمةٌ ما أُريِدَ بها وجهُ الله!. فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ويلُكَ، إنْ لم أعْدِلْ أنا فمَنْ يَعْدِل؟ أيأمنني اللهُ على خزائنه ولا تأمنوني) ؟!) [6] .

قال بعض الصَّحابة:"ما رأيتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - منتصرًا من مظلمةٍ ظُلِمَها قطُّ، ما لم يكن حرمة من محارم الله تَعالى، ولا ضرب بيده شيئًا قطُّ إلاَّ أن يُجاهِد في سبيل الله، وما ضرب خادمًا ولا امرأةً".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت