أيها المسلمون: أراد الله - سبحانه وتعالى - بالبشرية خيرًا حينما بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافَّة بالدين الحقّ الذي ارتضاه لعباده، وجاءت شريعته موضحة ما يحتاج إلى إيضاح في عبادة ربهم، فلم يتركهم خالقهم يتعبدونه بمحض عقولهم القاصرة، أو أهوائهم الضالة، ولم يسلمهم لبشر ضعاف مثلهم يشرعون لهم ما يريدون، ويمنعونهم مما لا يريدون. فمن رحمة أرحم الراحمين بعباده أنه تولى هذه القضية بذاته المقدسة؛ فشرع لعباده ما يقربهم إليه، وارتضى لهم من الأحكام ما به سعادتهم في الدنيا والآخرة، فلا خير إلا هدتنا شريعة الله - تعالى - إليه، ولا شرَّ إلا حذرتنا منه، وكمُل الدين على ذلك، وختمت النبوات به، فلا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا شريعة توصل إلى رضوان الله - تعالى - إلا شريعته، من تمسك بها نجا، ومن حاد عنها فإنه يضرُّ نفسه ولا يضرّ اللهَ شيئًا.
ومقتضى حكمة العليم الحكيم -سبحانه وتعالى - في ابتلاء عباده المؤمنين أن جعل على طريق الخير أناسًا يصدّون الناس عنها، ويدعونهم إلى غيرها، كما جعل على طريق الشر دعاة إليها، يرغبون الناس فيها، فمن أطاعهم قذفوه في النار، ومن عصاهم كان من أهل الجنة.
والجماعة التي تصد عن الخير، وتدعو إلى الشر، منها طائفة بينةٌ واضحةٌ، تعلن محادتَها لله - تعالى - ولشريعته، وتصرّح بدعوتها دون تلوّن ولا التواء، وهي الطائفة الأكثر من ضُلاّل البشر، وهي الأقوى شوكة، والأمضى عزيمة في معسكر الكفر والضلال.
والطائفة الأخرى طائِفة هي أقلُّ منها عددًا، وأضعف قوة، ولكنها أشدّ فتكًا وخطرًا من الأولى، رغم قلَّتها وضعفها؛ لأنها خفية لا تبين، ومستترة لا تظهر.
إنها طائفة المنافقين، التي انتدبت نفسها لمهمة خسيسة حقيرة، تجمعُ الرذائل كلَّها من الكفر والجبنِ والكذبِ والغشِّ والخداعِ والفسادِ والإفساد.