فهرس الكتاب

الصفحة 17329 من 19127

طائفة تعيش في صفوف المؤمنين، وتأكلُ من زادهم، وتنعم بحمايتهم، وتتبادل المصالح معهم؛ ولكن قلوب أصحابها مع الكافرين، وإخلاصهم لهم، وعملهم من أجلهم.

ولخطورة هذه الطائفة على المسلمين؛ فإن القرآن بادر على الفور إلى التحذير منها أشد من تحذيره من الكافرين؛ وذلك لئلا يغتر المؤمنون بظاهر أمرهم، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار [1] .

والنفاق في تاريخ المسلمين ابتدأ بعد غزوة بدر، وسيبقى ما بقي صراع بين حق وباطل.

ولو نظرنا إلى القرآن لوجدنا أن الآيات المكية لا ذكر للنفاق فيها؛ لأن المشركين ما كانوا يسترون كفرهم، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، لم يكن هناك نفاق في أول الأمر؛ بل كفر ظاهر أو إيمان باطن وظاهر؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أو قوةٌ تهاب، فلما عزَّ الإسلام، وقويت شوكة المسلمين بعد بدر الكبرى قال عبدالله بن أبي بن سلول وكان على الكفر آنذاك:"هذا أمر قد توجه". فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه في النفاق طوائف من عرب المدينة وأعرابها المجاورين لها، ومن اليهود، فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر [2] .

وصُدِّرت أطول سورة مدنية بذكر صفاتهم، والتحذير من خطرهم بعد ذكر المؤمنين وذكر الكافرين، إنها سورة البقرة، بدأها الله - تعالى - بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وهذا دليل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشدُّ من الاهتمام بدفع شر الكفار، كما يدل على أنهم أعظم جرمًا وأشدُّ خطرًا من الكفار [3] .

إنها طائفةٌ يصعب التعامل معها؛ لأنها تظهر الخير للمسلمين، وتضمرُ الشر لهم، فيشتبه أمرها على كثير من الناس، وينخدع بأفرادها جمهور المسلمين إلا من وفقه الله - تعالى - لمعرفة حقيقتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت