فهرس الكتاب

الصفحة 17351 من 19127

قال: نعم ونعمى عين. فرفع إزاره، فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم [3] .

وهذا من فقهه رحمه الله، ومِلكِه لنفسه، وبعد نظره، أما طلابه فقد أخذتهم بادي الأمر الحمية، فكاد يذهب مقصودهم، فلا هم هدوا الرجل، ولا كان معهم سلطان يزجره عما هو فيه، فلو أغلظوا له لأغلظ لهم، واستمر المنكر، واستمرأه صاحبه، ولكنه عقل صلة أرشده لتحسين لفظه فحصل مقصوده.

والقصص والأخبار عن السلف في هذا الباب كثيرة، ومع ذلك يُعرض عنها بعضنا، ويلتمس ما ندّ وشرد من الألفاظ، فيستعمل ألفاظاً خشنة، ويجعل ذلك ديدنه وهِجِّيراه مع المخالفين، بحجة أن أبا بكر -رضي الله عنه- استعمل تلك الكلمة، وفلان استعمل الأخرى، وثالث الثالثة...- مع أن أبا بكر -رضي الله عنه- والثاني والثالث قد يكون ما قالها غير مرة في كل ما أسند إليه! فيتصيد بعضُ من لم يوفّق للحكمة تلك الكلمات، وربما استخدامها في غير موضعها مع إخوته من أهل السنة! ودون فقه يوصل إلى مقصوده، بل بدافع الحمية والقوة الغضبية التي تفسد في كثير من الأحيان أكثر مما تصلح.

وحري بأصحاب المقاصد الحسنة، والغايات المحمودة أن يتوسلوا إليها بطرق محمودة مشروعة، لا تثير فتنة، ولا تُحْفِظ مخاطباً، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فهذا أقرب لحصول المقصود، وأوفق لقواعد الشريعة، وأقرب لعامة هدي السلف.

واللهَ نسألُ أن يهدينا إلى الطيب من القول، وأين يهدينا إلى صراط الحميد، وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأقوالنا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إعلام الموقعين 4/229-230.

[2] الطرق الحكمية، ص40-41.

[3] انظر حلية الأولياء 2/238، وطبقات ابن سعد 7/135، والأثر مشهور أسنايده صحاح إلى راويه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت