إنَّ وجود هذه القوالبِ الفكرية العامَّة في اللغة العربية توفِّر على المتكلِّم والمتعلِّم كثيراً من الجهد في التعبير والفَهم والإدراك.
وهذه الطريقةُ في اشتقاق الألفاظ من مَواردها الأصلية، وتصريفها في أشكالٍ متنوِّعة، واستخدام هذه الأبنية، تختلفُ عن طريقة التركيب الإلحاقي المعروفة في لغاتٍ أخرى والتي تقوم على زيادة أحرُف مخصوصة في أول الكلمة أو في آخرها لتدلَّ على معنًى خاص.
وعددُ الأبنية في العربية كبيرٌ، وقد بالغ ابن القطَّاع المتوفى سنة 515 هـ فذكر في كتابه"الأبنية"أنها تبلغ 1210 بناء.
وكذلك فإن عدد تصاريف الكلمة الواحدة ومشتقَّاتها ومصادرها تصلُ إلى أكثرَ من مئة وخمسين كلمة.
أقول: ما أغنى هذه اللغةَ.
ومن مزايا هذه اللغةِ أنها تمتاز في مجموع أصواتِ حروفها بسَعَة مَدرَجها الصَّوتي سَعَةً تُقابل أصواتَ الطبيعة في تنوُّعها وسَعَتها.
وتمتاز من جهةٍ أخرى بتوزُّعها في هذا المَدرَج توزُّعاً عادلاً يؤدِّي إلى التوازن والانسجام. وقد أشار ابنُ جني في"الخصائص"إلى أن العربَ تجنَّبت بعضَ الكلمات لتقارُب مخارج حروفها، مثل اجتماع السين والصاد، أو الطاء والتاء.
ومن مزايا هذه اللغةِ أن أصواتَ الحروف العربية يُنطَقُ بها الآنَ كما كان يَنطِقُ بها أهلُها قبل خمسةَ عشرَ قرناً، والفضل في ذلك يعود إلى القرآن الكريم.
ومن مزايا هذه اللغةِ ثباتُها على مرِّ الزمان ومحافظتُها على خصائصها ومفرداتها، فما قاله زهير وعنترة والحطيئة قبل خمسةَ عشرَ قرنًا يقرؤه العربيُّ المعاصر اليومَ فيفهم مَعناه.
انظر قولَ زهير:
ومَنْ لا يَذُدْ عن حَوضِهِ بسِلاحِهِ يُهَدَّمْ ومَنْ لا يَظلمِ الناسَ يُظْلَمِ
ومَن يَغترِبْ يَحسِبْ عدوّاً صَديقَهُ ومَن لا يُكرِّمْ نفسَه لا يُكَرَّمِ
وقول عنترة:
أَثْني عليَّ بما عَلِمْتِ فإنني سَمحٌ مخالفَتي إذَا لم أُظلَمِ