فهرس الكتاب

الصفحة 17417 من 19127

فإذا أخذنا مثالاً على ذلك يوضح مدى التفاعل بين النفس والطبيعة في حال السرور والبهجة، فسنجد الطبيعة تبدو في أحلى مناظرها وأبهاها، والعكس صحيح أيضاً، فعندما يذهب"عبدان"لرؤية خطيبته"عالية"والسمر عند أخيها حمدان نجد الطبيعة من حوله كأنها في عرس"... وكان بدر التمام مطلا من علياء سمائه بكل روائه،وكامل ضيائه على ذلك الكون المسحور حيث استحال كل حقيقة إلى خيال، وكل خيال إلى حقيقة، فالرمل البيض الناعم قد أمسى ذروراً من الفضة تغوص حوافر البغلة فيه، وظلال الأشجار على جانبي الطريق كأنها شخوص من الجن أدركها النعاس وهي تهيم في تلك البطاح فتمددت حيثما حلا لها من الأرض، وقد ارتفع حجاب وشف حتى أوشك عبدان ان يرى خواطره تتمثل أمامه في صورة شتى قوامها من ضوء القمر" [21] ، هذه هي الطبيعة التي تحولت إلى عالم مسحور جميل لأن"عبدان"في نشوة لزيارة من يحب ولكن هذه النشوة تتحول إلى شيء آخر، ومعها الطبيعة أيضاً، فها هو "عبدان يبدو مهموما حزيناً لاختطاف خطبيته"عالية"فنرى الطبيعة تبدو شيئا كئيباً موحشاً يحاول الهرب منه"... وكان النسيم عليلاً يوسوس بين الغصون كما كان عند خروجه من قريته على بغلته ولكنه يحس الآن قشعريرة تسري في ظهره، وكأن حفيفه أنين خفي ما زالت تردده الثواكل حتى بحت به حناجرها، وهذا القمر مازال مشرقاً في مسائه يرسل خيوطه الفضية على ما حوله من فضاء وشجر، ولكن عبدان لا يرتاح لنوره الساطع فيلوذ منه بأكناف الشجر وظلال الأيك... [22] ، ها قد تحول حفيف النسيم العليل إلى أنين الثكالى، وأصبح ضوء القمر الساطع ثقيلاً يهرب منه"عبدان"ولا يرتاح إليه.. وذلك بسبب الشعور الحزين الذي يسيطر على"عبدان"من أجل خطيبته المخطوفة. هكذا تؤدي الطبيعة دورها المتناسق مع النفس البشرية للأشخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت