فهرس الكتاب

الصفحة 17422 من 19127

-ومع طول هذا الحوار، إلا أنه يكشف لنا كثيراً من جوانب الواقع القائم في"مملكة العدل الشامل"حيث أصبح الظلم أو الغبن سمة هذا الواقع، وهو ظلم أشد من ظلم الملاك الإقطاعيين من أمثال"ابن الحطيم"، لأن الناس فقدت الأمل تماما في الإنصاف والعدل، وضاع جهدهم وعرقهم بأيدي من لا يملكون ولا يعملون من الطبقة الحاكمة... ولذا كان طبيعيا أن ينعدم الحافز للإنتاج، كما رأينا عبر الحوار بين الفلاح الذي كان يتصف بصلاح الحال ورجاحة العقل والرأي، وبين قائد المملكة"حمدان قرمط"، وهكذا يؤدي الحوار دوره في البناء الروائي بتوضيح الأحداث، وتشويق القارئ لمتابعتها، فضلاً عن كسر حدة السرد التي اعتمد عليها الكاتب في بناء روايته.

وإذا كان الكاتب قد استخدم الحوار بذكاء وتفوق لخدمة البناء الفني، فإنه في سرده الروائي لجأ في صياغة ناصعة ذات طابع جمالي متميز، وهذه الصيغة تنتسب بصلة كبيرة إلى مدرسة البيان التي ازدهرت في نثرنا الحديث، وجعلت من الأسلوب مجالاً للتفوق التعبيري والرقي البياني، وهو اجعل الكاتب يسمو بأسلوبه فوق الابتذال والركاكة، ويرقى إلى مستويات تعبيرية تستلهم البيان القرآني، وتقتبس التعبير الشعري في صورته المضيئة [25] . ولا ريب أن التأثير القرآني واضح على امتدد الرواية، ويمكن أن نحصر كثيراً من لجمل التي اقتبسها الكاتب من القرآن الكريم، في سياق تعبيري متناغم يجعل منها نسيجا محكما، ومبهجاً في الوقت نفسه، ويمكن أن نأخذ على سبيل المثال هذه العبارات"سار بها في أزقة القرية حتى خرج من بابها الجنوبي المتهدم فوكزها بعصاه وانطلق بها في الخلاء الواسع... [26] [27] [28] ، أو"فحاول حمدان أن يعتذر بأخذ عبد الرءوف بطرف كمه يجره إليه..." [29] ، أو"ويصوم الشهر على خوف من أبيه وملئه أن ينكروا فعله [30]

وبعد...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت