والنبي - صلى الله عليه وسلم - أبان الدين، وأوْضَح المَحَجَّة، وذكر الفتن وما يكون سببًا للوقوع فيها، وما يَعصِمُ منها: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42] .
فقد روى حُذَيْفَة بن اليَمَان - رضي الله عنهما - قال:"كنَّا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعْنُونَ فِتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة؛ ولكن أيكم سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الفتن التي تموجُ موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القومُ، فقلت: أنا، قال: أنت، لله أبوك! قال حذيفة: سمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( تُعْرَضُ الفتن على القلوب؛ كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًّا؛كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه ) )، قال حذيفة:"وحدَّثته أنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يُكسر، قال عمر: أكسرًا لا أبا لك، فلو فُتح لعله كان يعاد، قلت: لا، بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجلٌ يُقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط"؛ أخرجه مسلم [1] ."
لقد حرص عمر - رضي الله عنه - على معرفة أخبار الفتن حتى يتوقاها، وأخبرهم أنه لا يريد معرفة فتنة الرجل الخاصة في أهله؛ وإنما يريد معرفة الفتنة العامة.