فهرس الكتاب

الصفحة 17457 من 19127

وقد أثبت الحديث أن أهل الرجل فتنةٌ له، وفتنته في أهله وماله وولده على ضروب عدة: من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، وفي هذه المعاني قال الله - تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] ، وفي الحديث الصحيح قال النبي - عليه الصلاة والسلام: (( الولد مبخلة مجبنة ) )؛ أخرجه أحمد [2] ، فهذا وجه من الفِتْنَة بهم.

ووجه آخر: وهو تفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم، وتأديبهم وتعليمهم؛ فإنه راعٍ لهم ومسؤول عن رعيته، وكذلك فتنة الرجل في جاره من هذا.

فهذه كلها فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات والأعمال الصالحة [3] ؛ كما قال الله - تعالى: {إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، وقال عمر عن هذا النوع من الفتن:"تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة".

إن عمر - رضي الله عنه - كان يريد معرفة الفتن الكبرى التي تموج موج البحر؛ فأخبره حذيفة - رضي الله عنه -. وحذيفة هو أحفظ الصحابة لحديث الفتن، وهو أمين سِرِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنافقين؛ فأخبره حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( تعرض الفتن على القلوب؛ كالحصير عودًا عودًا ) )؛ أي: كما ينسج الحصير عودًا عودًا، وشطبة بعد أخرى؛ ذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد [4] .

إذًا فالفتن تَرِدُ على القلب شيئًا شيئًا، وبما أن الإنسان قابل للخير والشر؛ إذ فيه عقلٌ وشهوة، فإنَّ شهوته إذا غَلَبَتْ عَقْلَهُ وَلِجَتِ الفِتْنَةُ قلبه، وإذا غلب عقله شهوته رفض الفتنة وأنكرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت