فهرس الكتاب

الصفحة 17458 من 19127

قال: (( فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها ) )؛ أي: أيُّ قلب تَمَكَّنَتِ الفِتْنَةُ منه، وحلَّتْ مَحَلَّ الشراب من مَحَبَّتِها وتعلُّقه بها كما قال الله - تعالى - عن بني إسرائيل: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] [5] ، فَمَنْ كان كذلك (( نُكِتَ في قلبه نُكْتة سوداء ) )قال ابن دُرَيْد:"كلُّ نُقْطة في شيء بخلاف لونه فهو نكت" [6] ، وهذا هو القلب الذي يخشى عليه من الفساد، ويخشى على صاحبه الهلاك.

وأمَّا القلب الآخر فهو المنكر لها، المعرض عنها، الذي يرفضها ويأباها: (( وأي قلب أُنْكِرَها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء ) )وهذا هو القلب الصالح السليمُ، الذي سلم من أوضار الشرك والبدعة، وأدران الموبقات والكبائر.

وحينئذ (( تَصيرُ على قَلْبَيْنِ ) ): قلب صالح سليم طيب (( أبيض مثل الصفا ) )والصفا: هو الحجر الأملس الذي لا يَعْلَقُ به شَيْءٌ، وكذلك القلب السليم لا تَعْلَقُ به فِتْنَةٌ [7] ؛ ولذا قال: (( فلا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامت السموات والأرض ) ).

وأما الآخر فداخلته الفتنة وأُشربها؛ حتى امتلأ بها، وتراكمت عليه فسودته آثارها، قال: (( والآخر أسود مُرْبَادًّا؛ كالكوز مُجَخيًا ) )؛ أي: كالكأس المائل أو المنكوس [8] ، يسكب ما في داخله من الإيمان بقدر ميوله إلى الهوى، وانتكاسه عن الحق، كما يسكب الكأس ما فيه من ماء بقدر ميوله وانتكاسه.

قال المنذري - رحمه الله تعالى:"ومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان؛ كما يخرج الماء من الكوز إذا مال وانتكس" [9] .

وصاحب هذا القلب المائل عن الحق المنتكس عن الفطرة تجده: (( لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه ) )الذي يَهواه قلبه الفاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت