ورضي الله عن عمر وأرضاه، لقد كان بابًا دون الفتنة مغلقًا، وسدًّا يمنعها حصينًا، ففي رواية أخرى لما سمِع عمر حديث الفتنة رفع يديه وقال:"اللهم لا تدركني"فقال حذيفة:"لا تخف" [10] ، إن عمر - رضي الله عنه - ما أدرك الفتن؛ لأنه كان بابها الذي يُكسر، قال حذيفة:"إن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر، قال عُمَر: أكسرًا لا أبا لك، فلو أنه فتح لعله كان يُعاد، قلت: بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يُقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط"؛ أي: حدثته حديثًا صدقًا محققًا ليس من صحف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي؛ بل من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [11] .
والمعنى: أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر - رضي الله عنه -، وهو الباب، فما دام حيًّا لا تدخل الفتن، فإذا ماتَ دخلتِ الفِتَنُ، وكذا كان [12] ؛ إذ قتل عمر - رضي الله عنه -، فانكسر الباب، وانثلم الإسلام ثلمة بقتله، صار من جرائها الاختلاف والاقتتال بين أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولذلك عبر بكسر الباب ولم يعبر بالفتح؛ لأن الباب المفتوح يُرجى إغلاقه بخلاف الباب المنكسر [13] .
وقد كان بعض الصحابة يعلم أن عمرَ هو الباب الذي بينهم وبين الفتنة؛ فقد لقي عمرُ أبا ذر فأخذ بيده فغمزها وكان عمر رجلاً شديدًا، فقال له أبو ذر:"أرسل يدي يا قفل الفتنة"، فقال عمر: وما قفل الفتنة؟ قال: جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ورسول الله جالس وقدِ اجتمع عليه الناس، فجلست في آخرهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يصيبكم فتنة ما دام هذا فيكم ) ) [14] ، ومرة قال عثمان بن مظعون مخاطبًا عمر:"يا غُلْق الفتنة" [15] ، وصدقوا فيما قالوا إذ قتل عمر؛ فظهرت الفتن وتفشت، فصار بعض الأمة يلعن بعضًا، ويقتل بعضها بعضًا.