كانوا يتهامسون بينهم.. ويتغامزون.. منهم من يصوب نظره إليه,كأفواه البنادق... وآخرون يزرعونها ألغاماً في تلك الخنادق.. جميعها تعذبه, تقتله, تحبس روحه... ما أضيق الدنيا... ولعل قبراً أرحب منها.. وأنى له بذلك.. كم يحب ذاك القبر... قبر لم يحو جسدها, بل بخارها, رمادها.. رائحة وردها المحترق, وسواد قلوبهم.... يجالسه ساعات طوال... يتنسم ترابه.. يلثم أرضه.. يروي أحجاره.. بدمع تحجَّر في المقلتين... وانتزع منها حجراً ينام معه... يشعره بدفئها.. بأنفاسها الحارة تلامس رقبته..ويدها الرقيقة تعبث بخصلات من شعره الذهبي.. وبنغمات هادئة يشوبها حزن خفي دفين، كانت تغني له لينام... يحتضنها بيديه يغرق رأسه في صدرها.. يسمع نبض قلبها.. يخبره بحبها.. فيذوب بها عشقاً وغراماً وهياماً...
كم كان يحب شروق الشمس لتشرق ابتسامتها... توقظه بمداعبات لطيفة.. وتغمره ظلال عينيها الوادعتين ببحر من زرقتها.. ليبحر فيها.. ويعود منها بقبلة على الوجنتين.. تقطر شعراً ونثراً يعجز عنه أبلغ الأدباء.. كانت تحبه... بل حبه هو حياتها, أنفاسها, نبضها, حلمها, كانت ترى فيه آمالها.. غدها.. مستقبلها... جنتها... لكنهم أحرقوا أرضها وسماءها وحتى جنتها.... سقوها كدراً.. وأطعموها زعافاً... فغدت يباباً... جرداء.. تنعق فيها الغربان... وتسكنها الأفاعي..
غابت شمسها وأشرق ظلام حزني... فوا لهفَ قلبي.. لماذا رحلت... لمن تركت قلبا معذبا مضنى.. أشقاه الوجد... وشفَّه الحنين... أوَ تتركينني هكذا؟؟ بلا مؤنس ولا رفيق أو حبيب؟؟