في طريقه... ترنو عيناه للأفق البعيد... ويتساءل: أين هي؟ أفي الجنة؟ كما يقال لكل من يرحل عن دنيانا... لعلها هناك تأكل الفراولة.. فقد كانت تحبها كثيراً.. لكنها كانت تؤثرني بالمال لتجعلني سعيداً.. وتلبِّي حاجاتي ورغباتي... أو لعلها في الجنة قد اشترت ذاك الفستان الأخضر البديع, كم أعجبها بديع صنعه, وجمال زركشته.. وكنت قد وعدتها أن أشتريه لها عندما أكبر.... عندما ماذا؟؟ هل تريد أن تكبر؟ هل تريد أن تنسى؟ أن تبتعد؟؟ لا.. لا... أبقَي ياحبيبتي في جنتك.. وأنا هنا في أرضهم.... فلن أكبر... وسأبقى ذاك الصغير المدلَّل.. المشاغب.. سأبقى ألعب أمام بيتنا... أتسلَّق الأشجار وألاحق الأطيار... وحين ينالني التعب أغفو في مقلتيك...
وترتد خضرته المبلَّلة.. تصطدم برمال من لهيب محرقة.. ويتنهَّد عجوز يرتب دكانه ويقول: لاحول ولا قوة إلا بالله... الله المستعان.., ويتعالى صوت أحدهم بين مجموعته في القهوة: يا أخي الله يستر على ولايانا..., وهناك على كرسيه المعتاد جانب الطريق أخرج لفافته وهو يقول: (الله أعلم ما بنحط في ذمتنا..) , وضعها في فمه... امتصَّها... نفثها دخاناً أسود كريهاً...كذاك الذي أحرقها... وصنع حوله غمامة قاتمة... وشرد بنظراته بعيداً.. بعيداً... يردد: الله أعلم..إيه... الله يغفر لنا....
أحرقته كلماتهم.. أشعلت فيه ناراً.. قادته لقبر يطفئ فيه لهيبه... تهاوى عنده... أراد أن يقلِّبه..يبعثره ليخرجها.. ليكلِّمها.. ليحضنها... لتخفيه في ثوبها كما كانت تفعل دوماً حين يعبث بشقاوته المعهودة.. فيتلف بعض أشجار الجيران.. أويضرب هرّاً فتخطئُه وتصيب أحد المارة... أما اليوم فسهامهم لا تخطئُه...
أحقّاً أحرقوك ليخففوا عنك؟ وهل كان في تلك النار راحة لك؟ كيف أحرقوك؟ وبأي ذنب؟ وبأي حق؟