لَمْ أدر لِمَ نقل"عمر بن أبي ربيعة"هذه الأبيات في مذكراته، فإنها قائمة وحدها ليس قبلها ولا بعدها شيء يدل على ما أراد من ذكرها، فجعلت أداور الأوراق لعلّي أبلغ مبلغًا من توهّم خبرها الذي سيقت من أجله، وجعل معناها يداوِرُ قلبي ويساوره حتى كفَّت يدي عن الحركة، وسكن بصري على مكانها، وأحسست كأن القدر قد نام في ظلالها؛ كالمارد الثمل طرحه طغيان السكر حيث اسْتقرَّ، وأطاف بنفسي جو من السكون والرهبة والجلال، وأخذت أستغرق في تأمّل هذه الحياة المُتكررة المتطاولة الدائبة منذ عهد أبينا الشيخ آدم - رحمه الله - إلى يوم الناس هذا. فآنستُ فترة [2] تأخذني، ثم نعسة تتغشاني، وسبحت في غمرة طويلة لذيذة لا عهد لي بمثلها منذ عقلتُ.
وإذا أنا أفْضِي من غَمْرَتي إلى ميدان فسيحٍ أخضرِ الجوانب، متراحب الأرجاء، وإذا مسجد بعيد يستقبلني كأحسنِ ما رأيت من مسجدٍ بناءً وبهاء، قد تباعدت أركانه وتسامت في جو السماء مآذنه، ويبرق بابه ويتلألأ شعاع الشمس عليه، فقصدت قصده، ولم أكد أدنو حتى رأيت جموعًا غفيرة من الخلق يستقبلون الباب خارجين، في ثياب بيض وعمائم بيض؛ كأنها غمام تزجيه الرياح [3] .
فوقفتُ وسألتُ أوَّلَ مَن لقيتُ: ما الذي جمع الناس؟ قال: إنه الشيخ أيها الفتى: قلت: فمن الشيخ يرحمك الله؟ قال: غريبٌ واللَّهِ، إنَّه الشيخ أبو جعفر الطبري إمامُ أهل السنة، وشيخ المفسّرين، وعُمدة المُحدّثين، وثقة المؤرخين، ردَّ الله غربتك يا فتى. قلت له: جزاك الله خيرًا ورضيَ عنك وأرضاك، أتراني أُدْرِكه الساعة؟ قال: هو رهين هذا المسجد لا يبرحه، فادخل تلقَهُ.