فالله -تعالى- إنما يمهد لنا طريقَ مرضاته، ويعيننا على السير فيه، وهذا جلي لمن تأمل صنوف فضل الله وإحسانه التي اشتملت عليها شعيرةُ الصيام، وما ألقى خلال أيام رمضان ولياليه من منحه الوافرة وهباته الزاخرة؛ فحثنا على إحرازها بالتزلف إليه وخشيته سبحانه وتقواه؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ؛ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) . [صحيح الترغيب والترهيب (رقم 979) ] .
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- مُنوِّهًا بشعيرة الصيام ومُبرِزًا مقاصدَه في كتابه (مفتاح دار السعادة 2/3-4) :"وأما الصومُ فناهيك به من عبادةٍ تكفُّ النفسَ عن شهواتها، وتخرجها عن شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين، فإن النفس إذا خليت ودواعي شهواتها التحقت بعالم البهائم، فإذا كفت شهواتها لله ضيقت مجاري الشيطان، وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها محبة له، وإيثارًا لمرضاته، وتقربا إليه".
ثم قال:"فهو شاهد -يعني الصوم- لمن شرعه وأمر به بأنه أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، وأنه إنما شرعه إحسانًا إلى عباده ورحمة بهم ولطفا بهم؛ لا بخلا عليهم برزقه، ولا مجردَ تكليفٍ وتعذيب خالٍ من الحكمة والمصلحة؛ بل هو غاية الحكمة والرحمة والمصلحة".