فهرس الكتاب

الصفحة 17506 من 19127

ولما كان مرادُ إبليس وأعوانه من الجن مخالفًا لمراد الله -تعالى- بعباده أتم فضلَه على الصائمين خاصة بتصفيد الشياطين، ومنعهم من صد عباده عما أعد لهم من خير الصيام طوال الشهر المبارك؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ؛ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ؛ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ) [صحيح الترغيب والترهيب: رقم 998).

فأعان الله -تعالى- كل صائم على دفع ما يكدر صفوَ تقواه، ويفسد عليه لذةَ نجواه، ويحولُ بينه وبين كمال التزلف إلى ربه والتودد إليه بفعل مَحابِّه وترك مساخطه وإيثار مرضاته؛ كي لا يمضي رمضانُ إلا وقد طهر قلبه مما يحجبه عن نور هدايته، ويقطع سيره إليه.

بيد أن هذا لا يعني إسقاطَ التكليف عن العبد، ولا الترخيص له في التهاون والتواكل، وإلا فإن لوقوع الشر والمعصية أسبابًا أخرى؛ كما قال الإمام القرطبي -رحمه الله-:".. إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم -يعني الشياطين- أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية" [نقله الحافظ في الفتح 4/114] .

بل يعني ما قاله الحافظُ ابنُ حجر -رحمه الله- في شرح الحديث:"في تصفيد الشياطين في رمضان إشارةٌ إلى رفع عذر المكلف؛ كأنه يقال له: قد كفت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية" [فتح الباري 4/114] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت