فهرس الكتاب

الصفحة 17507 من 19127

إنَّ إعانةَ اللهِ الصائمَ على طاعته بتصفيد الشياطين يعني -في تصور كل عاقل- أنه فرصةُ العمر السانحة، وذريعة اللبيب أن يحرز حُنْكَةَ الاستقامة طَوالَ العام كله بدُرْبَةِ شهر واحد؛ فيستأنف سيره إلى ربه -بعد انقضاء رمضان- وقد أبصر نور الطريق، وخبر مسالكها المنجية، وسبلها المردية، وعالج قاطعَ طريقه الشيطانَ، وعرَف حِيَلَه وأنواع مكايِدِه، وشراسته وعلامات مصايِدِه، وأنه لن يألوَ جهدًا -إذا خرج رمضان وحلت أصفاده- في استئناف عداوته وحربه، والحرص على استرداد قلاعه ومواقعه، وتعويض خسائره، والطمع في استرجاع سبيه القديم، وضم ما استطاع من سبي جديد.

فهي حال أشبه بنصر مؤزر يحرزه العبدُ طوال شهر رمضان؛ فعليه الحفاظ على غنيمته الثمينة، والحذر من الاسترخاء والغفلة عن سلاح المجاهدة والمصابرة؛ فإن إبليسَ لا تُعيِيه الهزائم، وهو لا محالة راجع إلى تلك السَّاحِ؛ فساعٍ فيما أقسم بعزة الله على تنفيذه بعد أن أخرج من الجنة مذؤومًا مدحورًا؛ {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ..} [الأعراف: 16] .

وممن يجب حذرهم ممن خالفوا مراد الله تعالى بعباده أيضا (الذين يتبعون الشهوات) كما في الآية الكريمة، فهؤلاء يريدون أن يميل العبادُ عن طاعة ربهم، وعما وراء اتباع شرعه الحنيف من الخير لهم، والآية أعم من أن يراد بها طاعةٌ دون طاعة كما سبق؛ بل إن تعلقها بالصيام أظهر لأنه من وجهٍ أنجعُ الطاعات في كف الشهوات؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) [أخرجه البخاري في كتاب الصوم من صحيحه؛ باب الصوم لمن خاف على نفسه العُزْبة (4/119-فتح) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت