فهرس الكتاب

الصفحة 17508 من 19127

ومن وجهٍ آخرَ لكون السر في إضافة الله -تعالى- الصيام إلى نفسه دون سائر العبادات أن الصائم إنما يدع شهوته من أجله تعالى؛ كما في الحديث القدسي الصحيح: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ -مرتين- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللَّهِ مِن رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) [أخرجه البخاري في صحيحه (رقم 1894) ] .

فهؤلاء يتبعون الشهوات من دون الله، ويريدون أن يصرفوا الطائعين عن الهدى ليصيروا مثلهم فيلقوا مصيرهم.

وفي جعل الفاعلِ موصولاً مبهمًا في قوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} فوائد:

-منها تعليقُ الحكم بالصلة دون الاسم الجامد -فلم يقل مثلا: (ويريد الفاسقون) - إشعارًا بصفتهم وما اختصوا به لمن يحذر موافقةَ مرادهم ولم يعرفهم؛ فاتباع الشهوات صفتهم.

-ومنها تبصير القلب بأن اتباع الشهوات علامة الميل العظيم عن سبيل الله ؛ فإذا عرف ذلك حذر وخاف، وهذا من الأدلة على أن الإخبار عن مراد الذين يتبعون الشهوات ليس مرادًا لذاته؛ ولكن المراد الأمر باجتناب طريقهم صيانة لشرط الإخلاص.

-ومنها أن الوصف مستغرق لكل الذين يتبعون الشهوات على اختلاف أصنافهم ومراتبهم كي يكون مرادُ الله مرادًا خالصًا للعبد نفيا وإثباتا؛ فلا تشوبه شائبة الموافقة لمن خالف مراده على أي وجه، وفي قوله -تعالى-: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] إشارةٌ إلى أن الشهوة تضعفُه؛ لأن مداخلَها من نفسه عديدة دقيقة خفية؛ كالنظر والكلام والطعام وغيرها، ولكل مدخل فريقٌ يدعو إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت