وهدى الحمام الزاجل، يوم ينقل الرسائل، من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ثم يعود إلى مكانه لا يضل ولا يضيع.
يقول العالم الأمريكي (كيرسي ميرسون) في كتاب"الإنسان لا يقوم وحده": إنني أتعجب من النحل، وأقول: لعل النحلة معها جهاز (إريال) تكتشف به خليتها ولكن الله - عزَّ وجلَّ - يقول: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} [النحل: 68-69] ، إنه الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] ، فهزم فرعون وبهت، وظهر فشله وعجزه، ولكنه أتى بسؤال آخر كالذي قبله أو أتفه منه {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] ، أين ذهب أجدادنا وآباؤنا؟ {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} [طه: 52] ، ما شأنك أنت بهذا؟ ما أهمية هذه المسألة عندك؟ أنت ذرة من الذرات، وأنت حشرة من الحشرات.
أَنْتَ لا تَعْرِفُ مَنْ أَنْتَ وَلاَ أَنْتَ لا تَدْرِي بِمَاذَا قَدْ تَؤولُ
أَنْتَ مَخْلُوقٌ حَقِيرٌ بَائِسٌ أَنْتَ لا تَدْرِي إِلَى أَيْنَ الرَّحِيلُ
{قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} [طه: 52]
فهزمه موسى مرة ثانية، وانتصر عليه، وفضحه أمام الجماهير، وبين عجزه أمام الأجيال. وبقي موسى إلى قيام الساعة يذكر في مواكب الأنبياء المخلصين، وفي مواكب الدعاة الخالدين.
أيها المؤمنون:
في هذه القصة دروس وعبر:
أولها: الاعتصام بلا إله إلا الله.
فهذه الكلمة من أجلها أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وخلقت السماوات والأرض، وأقيمت المعالم، وبذلت الأموال، وشهرت السيوف.