دخل موسى عليه، ووقف هارون بجانبه، موسى يتكلم، وهارون يثبت ويساعد، والمجرم ينظر إليهما بعلو وعتو وجبروت، لأنه صور نفسه أنه ربٌّ، وأنه صانع، أنكر توحيد الربوبية، وادعى ذلك لنفسه؛ كبراً وعتوّا، وإن كان في الباطن يوقن بربوبية الله للكون، كما قال له موسى - عليه السلام: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لاظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً} [الإسراء: 102] ، فلما تكلم موسى، ودعاه إلى الله- عزَّ وجلَّ - ضحك فرعون منهما، ضِحْك استهزاء واستهتار؛ لأنه مستخف بالقيم، يدوس التاريخ بقدميه يجعل المروءات خلف ظهره لا يقيم للمثل وزناً ولا قيمة.
أخذ ينظر إلى موسى على أنه راعي غنم، يحمل عصاه على كتفه، وأنه أتى من الصحراء، حيث لا حضارة ولا تقدم، ثم ينظر إلى نفسه فيرى الدنيا تحت قدميه، فيزداد كبراً وصلفاً.
وهكذا يفعل الطغاة، يوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، يوم لا يصلون، ولا يخافون من الواحد الأحد، هكذا يفعل كل فرعون إلى أن تقوم الساعة.
فانبرى الخسيس من على كرسيه وسأل موسى سؤالاً تافهاً حقيراً مثله {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [طه: 49] ، فهو لا يعرف ربّاً ولا يؤمن بإله، فماذا كان جواب موسى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] ، فإن كنت تستطيع ذلك فأنت رب، وإن كنت لا تستطيع فلست برب، وأنى لك ذلك!
قال الزمخشري: لله دره من جواب.
وقال أحدهم: والله لقد تناوله موسى بكفٍّ على وجهه، وتحت كلمة (خَلْقه ) ) مجلدات من العبر، وتحت كلمة (هدى) مجلدات من الصور. هدى كل شيء، هدى الطفل يوم أن وضعته أمه، لا يعرف شيئاً، ولا يبصر شيئاً، فهداه إلى ثدي أمه ليجر منه اللبن.
وهدى النحلة أن طير آلاف الأميال، لتأخذ الرحيق، وتعود مرة ثانية إلى خليتها.