فلما دخل عليه موسى قال له: إذا أجبتنا، أبقى الله عليك ملكك، ومكنك أكثر من ذلك {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] لعله يتذكر نعم الله عليه، وتمكينه إياه، فبعض الناس لا يأتي إلا من باب الرغبة، وبعضهم لا يستجيب إلا بالترهيب، والداعية لا بد أن يكون بصيراً بالقلوب، عالماً بطبائع النفوس، حتى يدخل على كل إنسان من الباب الذي ترجى إجابته منه.
فقال موسى وهارون: {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى} [طه: 45] ، والله يدري أنه يطغى، والله يعلم أنه جبار {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، وإذا كان الله معك فلماذا تخاف؟ وإذا كان الله ناصرك فممن تخشى؟ فانطلقا بهذا المبدأ لا تخافا أحداً، ما دام الله معكما، وناصركما، ومؤيدكما.
وموسى - عليه السلام - خاف ثلاث مرات؛ مرة لما رأى العصا وقد انقلبت حية، فقال الله له: {خُذْهَا وَلا تَخَفْ} [طه: 21] ، وهذه المرة، حين دخل البلاط الفرعوني {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، ومرة ثالثة يوم أن نازل فرعون في الميدان أمام الجماهير {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى} [طه: 67-68] ، {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 46-47] .