فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الدليل الثاني: من أدلة أصحاب هذا القول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفة نهارًا، واستمر بها حتى غربت الشمس، وذلك منه - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لهدي المشركين. فإن المشركين - عدا قريشًا - كانوا في الجاهلية يقفون بعرفات، وكان هديهم أنه إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال؛ مثل العمائم على رؤوس الرجال، دفعوا من عرفة إلى مزدلفة، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخالف هديُه هديَهم، فبقي - صلى الله عليه وسلم - حتى غربت الشمس، ولا شك أن من أعظم مقاصد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبطل عقائد الجاهلية وما كان عليه أهل الجاهلية في ذلك الزمان، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يخالف الجاهلية في أفعال كثيرة، كما خالفهم - صلى الله عليه وسلم - في الوقوف بعرفة، فإن قريشًا ما كانت تقف بعرفة، ويقولون نحن الحمس - يعني المتحمسون لدينهم - فكانوا يقفون بمزدلفة، وبقية الكفار يقفون بعرفات، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفاض من حيث أفاض الناس ووقف بعرفة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - خالفهم بمزدلفة؛ فإن المشركين في مزدلفة كانوا يقفون فيها حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس دفعوا إلى منى، وكانوا يقولون:"أَشْرِقْ ثَبِير كي ما نغير"؛ ثبير: جبل مُطلٌّ على مزدلفة، فكانوا إذا رأوا الشمس في أعلى الجبل دفعوا من مزدلفة إلى منى، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودفع حين أسفر جدًّا قبل أن تطلع الشمس، وخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما مر بوادي مُحَسِّر؛ فإن المشركين كانوا إذا أتوا إلى وادي محسر، يقفون ويتفاخرون بشجعانهم وكرمائهم وشعرائهم إلى آخر ذلك، فأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في الحج وأمر المؤمنين أن يذكروه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرًا، فلما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وادي محسر أسرع؛ مخالفةً للمشركين. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في