فالذي يظهر لي - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن حديث أسماء يدل على أن الرمي قبل طلوع الفجر. أما الذين قالوا إن الرمي لا يجوز إلا بعد صلاة الفجر وبعد طلوع الشمس، فاستدلوا بما رواه أهل السنن عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال:"قدَّمنا رسولُ الله - صلى لله عله وسلم - ليلة جَمْع أُغيلمة بني عبدالمطلب، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَلْطَحُ أفخاذنا ويقول: (( أُبَيْنِيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمس ) )؛ أبيني: بمعني أي أبنائي، وهذا نوع من الملاطفة لهم منه - صلى الله عليه وسلم - لا ترموا حتى تطلع الشمس، والحديث صحيح. وهذا قد يُشْكِل فعلاً، كيف تقولون يرمي بعد منتصف الليل."
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لهؤلاء: (( لا ترموا حتى تطلع الشمس ) )؟! لكن أقول لكم إن حديث ابن عباس يدل على عدم الرمي حتى تطلع الشمس، وحديث أسماء يدل على الرمي قبل طلوع الفجر في الدَّلالة الصحيحة، وحديث عائشة دلالته أكيدة، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم سلمة أن تدفع فدفعت، قالت عائشة:"فرمت جمرة العقبة قبل الفجر". فهذا فيه (( لا ترموا حتى تطلع الشمس ) )، وهذا فيه"أن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - رمت قبل الفجر"؛ فهذه متعارضة، وأحسن ما يقال في الجمع بينها هو ما قاله الشِّنْقِيطِيُّ - رحمه الله تعالى - أن حديث أسماء وحديث عائشة في قصة أم سلمة يُحمَل على الجواز، وحديث ابن عباس يُحمَل على الاستحباب. والذي يظهر - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو قول الشافعي وأحمد في هذه المسألة، وهو أنه إذا انتصف الليل فقد جاز رمي جمرة العقبة.