وعمومًا لئن كان من حق العيد أن نبهج به ونفرح، وكان من حَقِّنا أن نتبادلَ التهاني، ونطرح الهموم، ونتهادى فيما بيننا, فإنَّ كُلَّ هذا لا يُنسينا أبدًا حُقُوقَ إخواننا المَكْلُومينَ والمشرَّدِينَ شرقًا وغربًا؛ بل نقف معهم في مِحْنتهم؛ كالجسد الواحد، نشحذ هِمَمهم، ونقوي عزائمهم، ونبسط الأيدي بالبَذْل لهم، ونطلق ألسنتنا بالدعاء لهم، فهذا هو الشعور المُجْدِي، الذي يُترجم إلى عملٍ واقعي، لا يُراد من ذلك تذراف الدموع، ولبس ثياب الحِداد في العيد، وإنما يُراد من ذلك أن تَظهرَ أمَّتُنا في أعيادها؛ كما أراد محمد - عليه الصلاة والسلام - بمظهر الأمة الواعية، التي تلزم الاعتدال في سَرَّائها وضَرَّائها، فلا يحول احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريقٌ من أبنائها، وهو القائل - عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ نفَّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَبِ الدنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة، والله في عَوْن العبد ما كان العبد في عَوْن أخيه ) )؛ رواه مسلم.
وباختصار: فإن العيد الذي ترجَمَهُ لنا رسول الهُدَى - عليه الصلاة والسلام - هو مناسبة غالية، ومظهر من مظاهر الفخر تتجَلّى فيه الشعائر الدينية، والنفحات المُحمدية، وصورة حيَّة تجسد أعظم المعاني الحسنة. إن العيد بحق هو ربيع حياة الإنسان، فكما أنَّ للأرض ربيعًا تزخر فيه بأنواع النبات: صِنْوان، وغير صِنْوان، وفي ربيع الأرض تظهر ألوانُ الأرض على سطحها، وقد أخذت الأرض زُخرفها، وازَّيَّنَت، واهْتَزَّت، وَرَبَتْ، فإن ربيع الحياة الإنسانية هذا العيد الذي هو بمثابة فُسحة إلهية، يتحقق من خلالها تناسي الآلام البشرية، والابتسام لنعمة الله، وإشعال النشاط؛ لاقتحام الصعاب؛ والانتصار على الأهوال؛ وتحصيل ما تطلب الأمة من أسباب الكمال.