إن هذا المستقبل الذي يشغلنا، ويقلقنا، ونخافه هو ذلك المستقبل الذي ربما لا تخرج ملامحه عن صور ذلك اليوم الذي سيداهمنا فيه العمر بأمراضه، وأعراضه، وعدم القدرة فيه على الحركة أو العمل؛ أو ذلك اليوم الذي سيصدر فيه قرار إحالتنا إلى المعاش، أو إلى التقاعد؛ أو ذلك اليوم الذي فيه سيتزوج (آخر العنقود) وينصرف -مثل بقية إخوانه- لبيته، وأسرته الجديدة، ويتركنا فيما بين الوحدة والشيخوخة؛ أو ذلك اليوم الذي نصبح فيه بالنسبة لأبنائنا أشياء جانبية خارج حدود الدائرة؛ أو ذلك اليوم الذي سنفاجأ فيه بوفاة شريك الحياة ويعيش الواحد منا فيه بين تبعات الوحدة وجحود الأبناء. هذه الموروثات -وغيرها- أمور ورثناها وتسربت إلى حياتنا وساعدت بقدر كبير في جعلنا نخشى ذلك المجهول ونهابه، بل ونسعى مبكرين لتأمينه، ليس قدر استطاعتنا فحسب، بل بما هو فوق القدر وفوق الاستطاعة. فيترتب على هذا من المخاطر ما لا ندرك عواقبه إلا بعد فوات الأوان.
إن المستقبل الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا ليس هو ذلك اليوم الذي نعتقد. إن المستقبل الحقيقي للإنسان يبدأ من لحظة إغلاق قبره عليه، من لحظة مفارقة أهله وأحبابه له، من لحظة عودتهم إلى دورهم وأعمالهم وتركه بلا أنيس ولا رفيق، وحيدًا تحت التراب، أنيسُه الدود، في وحشة الليل، في ظلمة اللحود، يوم يحال بينه وبين العمل، أو يحال بينه وبين إدراك أو استدراك ما مضى وفات. إن المستقبل الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا هو ما بعد الموت: يوم لا ينفع مال، ولا بنون، ولا حسب، ولا نسب، ولا أملاك، ولا ألقاب؛ {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34-37] .