إن تأمين ذلك المستقبل -الذي سنلاقيه حتمًا- لا يكون إلا بأمور يجري ثوابها على الإنسان في قبره بعد موته، وهي كثيرة؛ منها: ما رواه البزار في مسنده من حديث أنس بن مالك أن النبي قال: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته) (حسّنه الألباني في صحيح الجامع:3596) .
إنك إذا ما نظرت إلى هذه الوسائل السبعة - التي تضمنها حديثُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتي تساعد في تأمين مستقبل الإنسان الحقيقي بعد موته- ستجد أن جزءًا كبيرًا من مستقبل الإنسان بعد موته مرهون باجتهاده في أثناء حياته في خدمة مجتمعه، لا بالانكباب على همه الشخصي؛ ستجد أنها تحمل دعوة لكل مسلم بأن يتحلى بالإيجابية، ويتخلى عن السلبية تجاه أهله، ومجتمعه، ودائرته التي يعيش فيها؛ ستجد أنها تحمل دعوة بأن يعيد كل إنسان نظرته إلى الحياة. فليس من مصلحة الإنسان في المجتمع أن يكسب بمفرده، بل يكسب ويكسب معه الآخرون؛ وليس من مصلحته أن يأكل بمفرده، بل يأكل ويأكل معه الآخرون؛ وليس من مصلحته أن يعلم بمفرده، بل يعلم ويعلم معه الآخرون؛ وليس من مصلحته أن يأمن بمفرده، بل يأمن ويأمن معه الآخرون. هنا يأمن المجتمع على حاضره ومستقبله، ومن ثم يأمن أفراده أيضا على مستقبلهم في الدنيا والآخرة.
هذا الفهم هو الذي جعل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يلبي نداء الواقع على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما وقف ينادي في الناس: من يشتري لنا بئر معونة، ويجعلها صدقة للمسلمين، سقاه الله يوم القيامة من العطش.