وبغير تأخير قام عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بشرائها وجعلها صدقة للمسلمين يشربون منها وينتفعون بها. ولما فعل هذا لم يكن -رضي الله عنه- منشغلا بالمستقبل الوهمي الذي يشغلنا اليوم، إنما كان مهمومًا بتأمين مستقبله الحقيقي. كان مهمومًا بفعل ما يعود عليه نفعه ومردوده بعد موته.
الفهم نفسه هو الذي جعل أبا هريرة -رضي الله عنه- لما دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم الغنائم على أصحابه يجلس غير مكترث لهذه القسمة، ولا بهذه الغنائم. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:"يا أبا هريرة، ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟"فرد عليه أبو هريرة رد المهموم بتأمين مستقبله الحقيقي: يا رسول الله، أسالك أن تعلمني مما علمك الله. يقول أبو هريرة: فنزع رسول الله رداءه وفرشه، وجلسنا، وحدثني حتى استوعبت حديثه، ثم قال لي:"اجمعها فصرها إليك". فما أسمى همتَك يا أبا هريرة!. فلو طلب المال لحازه، ولو طلب نصيبه من الغنائم لناله، ولو فكر في تأمين مستقبله الوهمي لأمَّنه. ولكنه طلب ما يبقي على ما يفنى. فلقد ذهب المال، وذهبت الغنائم، وبقي علم أبي هريرة الذي نقله للأمة تتعلم منه وتنهل حتى قيام الساعة. وهذا مما يصب في رصيده -رضي الله عنه- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.