ولا يبلغُ الغربُ هذه الدرجةَ من الظلم بطاقته البشرية وحدها، بل بطاقة بشرية من الشعوب التي يظلمها، وأعجبُ ما في ذلك أنه يمضي إلى أهدافه الإجرامية بما أُسميه"اللعبة الماكرة"، اللعبة التي يستفيد فيها من قوى خصومه الظاهرين ومن الموالين. فكأنه يمسك القوى جميعها بخيوط في يديه، يحرّك بها هذه القوى كما يشاء، دون أن يكون ذلك ظاهراً. ولا يكتفي بإضعاف العالم الإسلامي بعدم إعطائه الفرصة لبناء سلاح وعتاد حقيقي، ولكن بأن يشغل العالم الإسلامي بقضايا وفتن يُشعلها ليهلك بها هؤلاء وهؤلاء، وليدور القتالُ بين فئات الشعب الواحد نفسه وبين شعبٍ وشعب في صراع يستهلكُ كلَّ طاقتهم من ناحية، ويشغلهم عن قضاياهم الرئيسة، ويفرح المنتصر منهم ظاهراً بانتصاره المزيَّف، ولكنه هو وَمن يُعَدُّ خصمَه من شعبه وأُمَّته، في خسارة كبيرة.
انظر إلى كثير من أقطار العالم الإسلامي؛ كيف يقتل المسلمُ المسلمَ، ويحارب فريقٌ من الشعبِ فريقاً آخر، بعد أن تمزّق الشعبُ فِرقاً شتَّى وأحزاباً شتَّى ومصالح شتَّى أدارها الغربُ ببراعة، وجميعهم في دُوارٍ وسَكَر!
ندَّعي محاربةَ الغرب الذي احتلَّنا وقتل منا الآلاف وارتكب من الجرائم ما لا حصر له، ثم نَخْضَعُ لكلِّ أساليبه السياسية والفكرية ونتبَنَّى الديمقراطية التي أَذلَّتنا وأخرجتنا من ديارنا، وسلَّمت فلسطين لليهود، ومزَّقت العالم الإسلامي إرْباً إرْباً وما زالت تمزِّقه، وامتدتْ جرائمها إلى حّدٍ يصعب حصرُه هنا.