• المرحلة الثالثة: ثم بعد ذلك، حتى بعد أنْ رَحَل الاستعمار، استطاع أن يَتْرك بذرته، حقيقةً أنه قد رَحَل ووَلَّى؛ ولكنه لم يَرْحَل إلا بشبحه وبشكله، تاركًا فِكْرَهُ، وأصوله، ومَدَنيَّته، وما تُحَافِظُ به على شخصيته، ووجوده في البُلْدان المُسْتَعْمَرَة، تاركًا أتباعه، وخُدَّامه، وكثيرًا من جُنْدِه الذين يحمون فكره ووجوده.
فلذلك جاءت مَرْحَلَة التَّغْريب بعد الاحتلال، وأصبحت الأُمَّة الإسلامية تَنْظر إلى دينها بنظر الآخر، وتعيش دينها بالطريقة التي تُمْلى عليها، وتعيش ذاتها وحضارتها بالطريقة التي تُفْرَض عليها، فهذا إذًا في الحقيقة واقعٌ مَصْنوعٌ لها، والأمة الإسلامية التي تعاني هذا الوضع الذي هو مصنوع والذي هو مخطط له من قرون، لا خلاص لها منه - إن هي أرادت أن تَتَخَلَّص منه - لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق الوعي به، فالوعي بهذا الواقع وبمُكَوِّنات هذا الواقع، وبجذور هذا الواقع، وبالأصول التي انْبَنَى عليها هذا الواقع، وبالذين بَنَوْهُ، الوعي بهذا كله هو الخُطْوة الأولى إلى إعادة بناء الذَّات، وإلى استرجاع ما ضَاعَ من هذه الذَّات.
فربنا عز وجل يقول: {نَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] ، ولا يمكن لهذه الأمة أن تَسْتَرْجِع ما ضاع منها بين عَشِيَّة وضُحَاها، ولا بكلمة تُقَال باللِّسان، ولا بالأماني. يقول عز وجل: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] ، ويقول عَزَّ من قائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] .