بمجرد أن تطأ أرضك ثرى تلك البقاع اعلم أن الخوف قد دُفِن على حدودها، وستحدثك الجدران والشوارع والأزقة والشجر والحجر عن البطولات والتضحيات، كل شيء ينطق ويعبر وهو صامت، انظر إلى تلك البيوت وقد خرقها الرصاص في كل زاوية وحجر، وانظر إلى ركام البيوت التي هدمت، وانظر إلى نعي الشهداء الأبطال على الجداران، وإلى بقايا الحجارة التي كانوا يتترسون بها للتصدي للاجتياحات، وانظر إلى الأعلام الخضراء التي ترفرف وتخفق بالعزة والكرامة، وإلى الأعلام الصفراء التي ترفرف وتفضح زمرة رام الله التي ألزمت الناس برفعها لئلا تقطع عنهم الرواتب، انظر إلى المساجد وقد امتلأت بالمصلين، انظر إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وانظر إلى النشاطات الثقافية والتربوية، انظر إلى الأطفال وقد أصبح لعبهم تدريباً على القتال في الطرقات، انظر لهم وهم يرددون عبارات رئيس وزرائهم إسماعيل هنية:"لن نعترف بإسرائيل".
في كل زاوية قصة، وفي كل بيت شهيد أو جريح أو أسير، في كل بيت يتيم أو أرملة أو مسكين، ربما فقدوا الكثير من مظاهر الحياة التي نحرص عليها ولا يمكننا العيشُ بدونها، إلا أنهم ملكوا الدنيا كلها؛ فقد أسروا هواهم، وأصروا على البقاء في أرض الأنبياء برغم كل الصعاب، برغم القتل والتدمير والحصار، ملكوا العزة والكرامة والبطولة والشجاعة والثبات والإقدام والتضحية في سبيل دين الله.
أما في الليل فما هنالك أروع أو أعظم من مشهد المرابطين وهم واقفون في حلكة الظلام ممتشقين السلاح متربصين بالعدو وأعوانه، تاركين لذة النوم ودفء الفراش، ولا تسل عن أمهاتهم أو زوجاتهم وهن يجهزن للمرابط السلاح ويودعنه، فإن عاد سالماً فسيذهب في الصباح إلى عمله طبيباً كان أو مدرساً أو موظفاً.