قال ابن القيم رحمه الله:"وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنى قام بها أوجب اختصاصها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكم لاشتراكهما في المعنى المقتضى لذلك الحكم، ولا يضر افتراقهما في غيره كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب الحكم، فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعاني التي لأجلها شرعت تلك الأحكام وجوداً وعدماً" [5] .
"وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يوجب الحكم ويمنعه، فهذا قياس فاسد، والشرع دائماً يبطل القياس الفاسد" [6] ، فإذا نُزِّل هذا القياس الفاسد في الأحكام بين الناس كان ظلماً، وهذا مما ينزه رب العزة تبارك وتعالى عنه، قال شيخ الإسلام:"فقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [القلم: 35] ، وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] ، وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] ، إلى غير ذلك يدل على أن التسوية بين هذين المختلفين من الحكم السيء الذي ينزه عنه، وأن ذلك منكر لا يجوز نسبته إلى الله تعالى، وأن من جوز ذلك فقد جوز منكراً لا يصلح أن يضاف إلى الله تعالى؛ فإن قوله: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} استفهام إنكار، فعلم أن جعل هؤلاء مثل هؤلاء منكر لا يجوز أن يُظن بالله أنه يفعله، فلو كان هذا وضده بالنسبة إليه سواء جاز أن يفعل هذا وهذا. وقوله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] دل على أن هذا حكم سيء والحكم السيء هو الظلم الذي لا يجوز، فعلم أن الله تعالى منزه عن هذا. ومن قال إنه يسوي بين المختلفين فقد نسب إليه الحكم السيء، وكذلك تفضيل أحد المتماثلين. بل التسوية بين المتماثلين، والتفضيل بين المختلفين هو من العدل والحكم الحسن الذي يوصف به الرب سبحانه وتعالى، والظلم وضع الشيء في غير موضعه."