"... فالحُرِّية السياسيَّة غير مَوْجُودة للأسف في الدول المعاصرة؛ كما أنَّه لا يسمح للمُثَقَّفين العرب بأن يكتبوا بحرِّيَّة في صحف أوطانهم، وأقصد هنا الكتابة العلميَّة لا الكتابة السياسيَّة. وإذا كتبت شيئًا عن هذه الموضوعات فلابُدَّ أن تُراقِبَ نفسك، لذلك لا يمكن أن تقول كل ما يجب أن يقال، ولا يمكن أيضًا أنْ نَطْرَح بعض المسائل بسبب الرِّقابة وهي أحيانًا ذاتيَّة. أنا مثلاً كأستاذ وباحث أَوَدُّ أن أَطْرَح بعض الأسئلة، لكني لا أستطيع أن أفعل ذلك كما يقتضي العلم، لأنِّي أريد أن أبْقى في اتِّصال مع العَرَب؛ كي نَتَقَدَّم في حَلِّ بعض المشاكل دون أن تَنْقَطع الصِّلَة بين الباحث وسائر الناس. لهذا أقبل بالرغم من أني أتمتع بكل حريتي هنا كأستاذ في السُّوربون أن أفرض على نفسي هذا النوع من الرِّقابة، لأنِّي أفهم أن الباحث لا يحق له أن يَجْرَح نفوس الذين لا يَزَالُون غير مُسْتَعَدِّين ليفهموا ويُدْركوا بعض المشاكل التي يمكن أن تُطْرَح. هذه الأمور كلها تجعل الفكر العربي لا يقدم على طرح المشاكل التي لابد من طرحها في هذه الفترة. وعلى التَّخَلِّي عن هذه المواقف الأيديولوجية التي يفرضها نوع من الإجماع الاجتماعيّ والسِّياسِيّ السَّائد عندنا. هذه هي العَرَاقيل وهي كما تَرَى نفسيَّة وابستمولوجية ... هناك محرمات" [6] .
وفيما يلي مَجْمُوعة من مقالات وتَصْريحات مُحَمَّد أركون مُقْتَبَسَة من بعض مُحَاضَراته وكتبه واستجوابات له مع بعض المجلاَّت العربيَّة، عمدنا إلى نقلها بشكل يجعل منها حوارا مُنَسَّقًا يُقَدِّم من خلاله محمد أركون أفكاره وآراءه دون تَعَسُّف أو اخْتِزَال، مُجْتَنِبِين كُلَّ حذف مقصود أو تضخيم مُفْتَعَل لما تحمله الفقَرات من مَعَانٍ وأَفْكارٍ إلاَّ ما يقتضيه الاخْتصار ويَدعُو إليه التَّركيزُ.