فهرس الكتاب

الصفحة 18999 من 19127

"... لم يَزَل قَصْدي الأول في البحث والنَّشْر توجيه عامَّة المسلمين نحو الطرق المُسْتحدثَة في التَّفكير والاتِّصال بالتاريخ، وتفهم ما يجري في مُجتمعاتنا المُعاصِرَة.. إنَّ المشكلة أَعْوص مما يتصوَّره معظم الناس بل المُتَخَصِّصون بمهمة التَّعريب ، إنَّ الباحث العربي في مَيْدان العلوم الإنسانيَّة بعد الخمسينات، يقف لا مَحَالة حاشرًا بين اثنين: إمَّا أن يعتني بإحياء التُّراث مُفَتِّشًا عن المخْطُوطاتِ القَديمة، جامعًا لها، مُحَقِّقًا لبعْضِها على الطَّريقة الفيلولوجية السليمة، معلِّقًا عليها على الطَّريقة التاريخيَّة المستوعبة للأسماء والأخبار والأماكن والأفكار، وإمَّا أن يميل إلى تأليف الكتب التاريخيَّة النَّقديَّة مُسْتَخْرِجًا من الوثائق القديمة ما تَحْتَويه من معلومات وسير وتأويلات ونَظَرِيَّات. وإذا اختار عمل التأليف والاستنباط الانتقادي، فلابد له أن يجتهد اجْتِهَادَيْنِ مُخْتَلِفَيْن: يجب عليه أن يتبع الإنتاج العِلْمِي الضَّخم في جميع اللُّغات، وسائل الميادين من ألسنية (أو اللسانيات) ، وأنتروبولوجيا، وأتنولوجية وسوسيولجية، وعلم النَّفس، والنَّقد الأدبي، والتاريخ طبعًا (يكاد علم التاريخ؛ كما يمارسه المُتَخَصِّصون اليوم يجمع بين العُلُوم الإنسانيَّة كلها) ، ثُمَّ على الباحث العربي أن يُلِمَّ في نفس الوقت بكل ما أَبْدَع القدماء من نَظَرِيَّات، واصطلاحات، ومناهج، وما جمعوا من أخبار ومعلومات لا لينقلوا ذلك إلى لغتنا العصريَّة مع شيء من التَّعديل والتَّرتيب والتَّسهيل للمَوَاد؛ بل ليُبْرِزوا رُوح كُلِّ عصر من العُصُور، وأسرار كل علم من العُلُوم، ووظائف كل مذهب، وكل تَيَّار إيديولوجي، وانْحِيازات كل شَخْصِيَّة من الشَّخْصِيَّات التاريخيَّة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت