فهرس الكتاب

الصفحة 19031 من 19127

وثالثها: أهل كسلا، رجالها؛ سماحتهم غيث، ونجدتهم غوث، كلامهم كله ظريف، كأنه يضحك، حديثهم كله عفيف، كأنهم يغسلونه قبل الحديث به.

ونساؤها وبناتها؛ يستقبلن الضيف بوجه نونه [2] غريقة بالسرور، يلبسن الثوب، والثوب في كسلا يتثاءب عند الخصر، ما اقترب منهن الغريب، إلا وجفلت العيون، واحتمت بالأهداب، واعتصمت بالمعاصم، حياء وخفراً، يزدن في بهجة كسلا الفاتحة صدرها أبداً لكل عزيز وزائر.

ورابع الأربعة: محافظهم؛ أخي محمد عبد القادر، بصدقه، ودفئه، وحبه لكسلا، وحب أهل كسلا له... )) .اهـ.

ومع هذه العذوبة إلا أن عمر قد كبا، والكبوة لا ينجو منها جوادٌ مهما تصدر، وإن لم يُرَ مُصَلِّياً قط في المضمار [3] .

استمعتُ إلى بعض خطبه، فأدهشتني آخرُ خطبة ألقاها، سمعتها على الأثير غضة طرية، فثملت من رصانتها، بيد أنني انتبهت في آخِرها لمَّا سمعتُه يستشهد بشعر فُتِن به الناس على عمى، ذكر منه:

الوحشُ يقتل ثائراً والأرضُ تُنبِت ألفَ ثائرْ

يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابرْ

وختمها بقوله:

(( عاش الشعب السوداني؛ الجبار المتكبر، اللطيف الخبير ) )، فظللت متعجباً دهشاً مرعوباً.

وما انقضى عجبي ورعبي حتى أُعلن عن نَقْل العميد عمر إلى المستشفى، إذ خرَّ مغشياً عليه عند خاتمتها المذكورة، فجاءه الموتُ وهو على المنبر، ولكن قومي لا يعلمون.

ولأنه كان وزيراً ومن كبار قادة الجيش فلا بد أنه قد نُقل إلى أفضل المستشفيات تأهيلاً في البلاد، حيث التخصصات الطبية الدقيقة، والأجهزة المتطورة، ومع ذلك فما استطاعوا فعل شيء، فقد قضى الجبارُ المتكبر، بالموت على عمر، والتفَّت الساق منه بالساق؛ لأن الله لا يرضى أن ينازَع في الكبرياء، كما جاء في الحديث المرفوع عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (العز إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمن ينازعني عذبته) [4] .

ولم ألبث إلا قليلا حتى أعلنت رئاسة الجمهورية نعي العميد المتقاعد عمر الحاج موسى وزير الثقافة والإعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت