فلما جلسَ قُبالتهما، التفتَ إليه المديرُ قائلاً: هذا أبو (فيصل) يقول: إنّ ابنه لم ينمِ الليلةَ السالفةَ، فنفسُه ضاقتْ، وصحتُه تهاوتْ!
ففزعَ (سالم) ! وكانَ أبًا ودودًا لطلابِه:
لا أراهُ اللهُ مكروهًا، واللهِ لمْ أكنْ أعـ...!!
فقطعَه والدُ (فيصل) فائرًا: أنتَ سببُ ألمِه وضرِّه!
صُدمَ الأستاذ (سالم) وشَخَصَ بصرُه وارتدت ذاكرتُه مباشرةً إلى أحداثِ أمسِ يقلِّبها: لم آتهم إلا الحصةَ الرابعةَ، وشرحتُ لهم إعرابَ (المفعولِ بهِ) ولمْ أراجعْ لهم، ولم أطلبْ منهم الكشفَ عن الواجبِ، ولم أتثبّت من حفظِهم...لم أحتكَّ بهم...لم أحتكَّ بهم..!!
ثم قالَ بألمٍ: مني أنا؟!
فانتصبَ والدُ (فيصل) والغضبُ يملأ وجهَه: ابني يقولُ: إنك لا تعرفُ اسمَه!!
تعجبتُ - واللهِ - وقلتُ: متى سيعرفُ هذا المدرسُ أسماءَ طلابِه والاختباراتُ قد قربت ساعتُها؟!
لمَ قلتَ له: يا (هييه) انتبه للدرس؟! هذا التصرفُ الارتجاليُّ أحرجَه أمامَ زملائِه، أرجوكَ ولدي اسمه (فيصل) ، وأتمنى ألا تتكرَّر (هييه) في قادمِ الأيامِ!
بعثرتْ هذهِ الكلماتُ وقارَ الأستاذِ (سالم) واستشاطَ غضبًا، وارتعدت أطرافه، واحتقنتْ أوداجه، والتفتَ بعينينِ محمرَّتينِ إلى المديرِ، كأنه يستجديه أنْ ينطِقَ...أنْ يدفعَ هذا السخفَ... لكنّه تشاغلَ بأزرارِ جوَّالهِ وانسلَّ من الحادثةِ..!!
فهمَّ أنْ يصرخَ في هذا الأب الجاهلِ، أنْ يطبعَ على وجهِه القبيحِ صفعةً، لكنّه كظمَ غيظَه، وطوى ألمَه، حتى لا يُطلَّ دمُه، وتُهانَ كرامتُه، ويُجعلَ أحاديثَ للصحف،فحملَ نفسَه بنفسِه وخرجَ...!!