فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ضلت القافلة طريقها، أتت من الشام تريد فلسطين، فضلَّت، وسوف تعترض مصر في طريقها، ذهبت إلى تلكم الصحراء؛ لحكمة أرادها الله.
وعناية الله تحفظ من يريد الله حفظه، ورعاية الله تحفظ العبد في كل طرفة عين، وفي كل لحظة، وفي كل مكان، وفي كل زمان.
يقول ابن الجوزي في"صِفَةِ الصَّفوةِ"، وهو يتحدث عن رعاية الله وعنايته:"يقول أحد الصالحين: رأيت عصفورًا يأتي بلحم، ويذهب به إلى نخلةٍ في الصحراء، فتتبعتُه، فوجدته كل يوم يأخذ من المزبلة لحمًا وخبزًا، ويذهب به فيضعه في تلكم النخلة، قال: فصعدت لأرى، وعهدي بالعصفور أنه لا يعشعش في النخل، فرأيت حيةً عمياء، كلما أتاها هذا العصفور بهذا اللحم، فتحت فاها وأكلت"!!
فمن ذا الذي سخَّر لها العصفور، إنه الذي سخَّر تلك القافلة ليوسف عليه السلام؛ لتأخذه من البئر.
وأدلى واردهم دلوه في البئر، والقرآن عجيب في العرض، رائع في الأداء، بديع في التصوير، لم يقل: أدلى دلوه، ثم تعلق يوسف بالدلو، ثم سحب الوارد الدلو، ثم أخرجه، فقال: مَنْ أنت؟ ثم ذهب به إلى أصحابه. بل جاء بالفاء التعقيبية؛ لأن عنصر المفاجأة في الآية يقتضي ذلك {فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} [يوسف: 19] . فأتى بالفاء {فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ} [يوسف: 19] . أدلى دلوه، فتعلق يوسف عليه السلام بالدلو، ثم سحبه الوارد، فرأى يوسف عليه السلام، غلامًا صبيحًا، أوتي شطر الحسن، فقال لأصحابه {يَا بُشْرَى} - وقرأ أهل الشام (( يا بشرايَ ) )- {هَذَا غُلاَمٌ} أي: خادم وعبدٌ أبيعه وأنتفع بثمنه.
{وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} [يوسف: 19] قيل: أخفاه بعضهم عن بعض، وجعلوه بضاعة، وقيل: أخفَوهُ عن الناس، خوفًا من أن يجدوا أباه، أو أهله، أو إخوانه، وما علموا أن إخوانه هم الذين تركوه، وهم الذين طرحوه، وهم الذين هجروه وأبعدوه، {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 19] .