فالتاريخ المعاصر يشهد بأن العديد من رجال الدين المسيحيين قد ناضلوا ضد الاستبداد الديني والطغيان الفكري للإدارات الدينية المركزية بشتى الوسائل المتاحة لهم، إما عبر نشر الأفكار وتنوير الرأي العام كما ذكرنا، وإما عبر منابر التأثير الاجتماعي والسياسي بمؤسسات المجتمع المدني ذات الطابع الديني، مثل"الوكالة العامة للدفاع عن الحرية الدينية" (Agence Generale pour la Defense de la Liberte Religieuse) [2] ، هادفين بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إضعاف سلطة البابا المدنية والدينية، وتمكين أفراد المجتمع من الحرية بمختلف أبعادها الاجتماعية والسياسية والدينية، وتأهيل رجال الدين المسيحي أساسا إلى الإسهام في خدمة تلك الحرية، ودفعهم لانتزاع مراتب اجتماعية ودينية وسياسية لم تكن لتتاح لهم دون الحد من جبروت الإدارات الدينية الرسمية.
ولا شك أن للثورة الفرنسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صاحبها الأثر الكبير في بلورة الفكر الحداثي، وكسبه المعارك في وجه الفكر الكنسي التقليدي، لكننا حين التمعن في أحداث التاريخ، ودراسة حركة التيارات المتدافعة من القرن السابع عشر الميلادي إلى مطلع القرن العشرين، نجد أثرا هاما لرجال الدين المسيحيين في انتشار الفكر المضاد لسلطة الكنيسة، ساهم في اندلاع الثورة الفرنسية نفسها، ويسر السبل أمامها، بل أثر في فلاسفتها وتأثر بها، تنظيرا وتحضيرا وتأطيرا [3] .