ولكن الشيء الذي ساهم في اشتداد حدة المواجهة بين الفكر الحداثي والفكر الكنسي الرسمي على الصعيد الثقافي والفكري، وخاصة على الصعيد العقدي، وأعطى دفعات قوية للعلمانية وانتشار خطابها وأفكارها، وظل نسيا منسيا في كتبنا ومراجعنا العربية، هو صدور لائحة بابوية للمقولات والأفكار الممنوع على أتباع الكاثوليكية التلفظ بها، اقتناعا بمحتواها أو تصديقا لأفكارها، فضلا عن الانخراط في الترويج لآراء ونظريات تتبنى أطروحاتها أو تنساق وراء فلسفتها.
وجاء هذا الإصدار ضمن ملحق للرسالة البابوية الدائرية والتوجيهية بتاريخ 8 ديسمبر 1864 والمعنونة"كوانتا كورا (بأي قدر) " (Quanta Cura) [4] ، ومضمون هذا الملحق لائحة ضمت ثمانين (80) مقولة أو فكرة تعتبر في نظر الكنيسة خطيئة وكبيرة سبق أن نصت على ضلالها رسائل وخطب سابقة لباباوات الكنيسة، بما فيهم البابا بيا التاسع الذي أصدر الرسالة المعنية وملحقها المثير للجدل.
ونحن لا ندعي بأنه مثير للجدل بناء على دراستنا الوثائقية واستقرائنا التاريخي فحسب، ولكن يشاطرنا الرأي العديد من أتباع المسيحية أنفسهم، ومثقفون بارزون من داخل الصف الكنسي الرسمي، الأقدمون والمعاصرون، والذين شهدوا بأن نشر تلك اللائحة كان وقودا لاندلاع انتقادات كبرى مكثفة وقوية ولاذعة للسلطة الكنسية الكاثوليكية وللكرسي البابوي وإداراته المركزية والمحلية، مازالت آثارها وردود فعلها تترى إلى أزمنتنا المعاصرة.
بل ساهم ذلك الإصدار في تقوية صفوف الجانب العلماني والتيار الحداثي، ومكنهما من كسب مواقع هامة داخل صفوف الحركات الدينية المستنيرة من جهة، وإضعاف سلطة الكنيسة الدينية والمدنية من جهة أخرى، وخاصة على صعيد الفكر والثقافة والتربية والرعاية الاجتماعية.