فهرس الكتاب

الصفحة 2472 من 19127

فمعدلات العلمنة اليوم ترتفع بقوة، في التعليم والإعلام والإدارة وأنماط التشريع وتوزيع السلط، مما يقلص الدور التقليدي للدين، ويدفع بعض أتباعه للانفعال، ويفتح عليهم من كل صوب أبواب النقد إلى حد الشتم والاستهزاء والازدراء، بشكل يروج في أوساطهم للإعداد للنزال وترقب القتال، وحالة كهذه لا محالة ممكنة - مثل ما كان الحال مع الجانب المسيحي - من ارتكاب أخطاء شتى من طرف جهات إسلامية يمكن تفاديها، ومواقف ساخنة من مفكرين وباحثين متدينين سرعان ما يتم التنكر لها بعد اشتداد الاحتجاج وإتقان صرفه في تأليب الغضب الشعبي، بل استفادة الجهات التي تمرنت على الاستفزاز منه لاستصدار المؤيد لمواقفها المزاحمة من القرار السياسي، والمساعد على المزيد من الخنق والكبت للعنصر الإسلامي.

فلكم ود الذين لم يستوعبوا تطورات الواقع الفكري والثقافي والسياسي لو أن لنا مدونة تجرم كل نيل من الدين أو توجه يرونه مخالفا للشرع الحكيم، بيد أن الخير كل الخير هو قبل كل شيء في تشكيل العقول قبل إجماعها هي ذاتها تلقائيا على احترام ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فما عسى ينفع نص يحصي البدع والمنكرات، لمجتمع معظمه لا يجد غضاضة من ضلالة، ولا يحرك يدا ولا لسانا لتغيير منكر.

كما ود المرجفون في بلاط النظام العالمي لو أن للمسلمين هرما سلطويا دينيا على المستوى العقائدي يستطيع أن يقف مثل المواقف المتحجرة للكنيسة في القرون الخالية، فيرسل إليه شواظ ملتهب تلو الآخر من كتاب ومفكرين يحسنون القذف بمناجيق النقد والاتهام دون مراعاة لقيم، من النوع الذي تلمع مؤسسات الدعم والتأييد صورتهم، وتحمي الدعاية منابرهم وتروج خطابهم، بحيث - من شدة وطأة نقدهم وكثافة نبال هجومهم - يدعى ذلك الهرم السلطوي إلى اجتماع في شبه مجمع لاتخاذ قرارات ومواقف تعيد النظر في ثوابت العقيدة، وتقلب فيها التوجيهات الربانية والرسولية رأسا على عقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت