والطيب في الأمر أن هؤلاء المنبهرين قلة. وهم يتقلصون مع ارتفاع نسبة الوعي الثقافي والفكري بين العرب والمسلمين، وإدراك الكثير من المفكرين أن الهروب من الدين لم يعن الأمة على الوقوف على أقدامها بقدر ما أعانها على التعثر أكثر مما تعثرت من قبل. فبحث المفكرون مرة أخرى في أسباب انحطاط المسلمين وما خسره العالم من هذا الانحطاط، فلم يكن هناك بد من الوقوف على إسهامات المستشرقين مجملة وكونها أثراً من آثار هذا الانحطاط عندما تبين أن هؤلاء المستشرقين - في مجملهم - كانوا عوناً على الحملات الاستعمارية على البلاد العربية والإسلامية، و (( قاعدة المعلومات ) )لحملات التنصير التي لا تزال تجتاح المجتمع العربي والإسلامي، وتبين لهؤلاء أن قسماً من المستشرقين - كانوا منصرين، كما تبين لهؤلاء أن الاستشراق مهد بطريق مباشر لقيام وطن قومي لليهود في فلسطين وأن الاستشراق لا يزال يسعى إلى تسهيل مسألة قبول قيام الوطن القومي لليهود في فلسطين بين المفكرين الغربيين والمفكرين العرب على حد سواء.
ولا يكفي أن يقال أن هناك علاقة ضعيفة أو قوية بين التيارات المعادية للإسلام دون اللجوء إلى إقناع بوجود هذه العلاقة مع شيء وافر من التجرد الذي تفتقر له التيارات. والتجرد ديدننا لا نستطيع الخروج عنه مغلبين جوانب أخرى كالعاطفة مثلاً وإلا خالفنا نصاً منهجياً من نصوص القرآن الكريم. وفي التجرد عدل نحن مطالبون به حتى مع أولئكم الذين لم يراعوا فينا هذه الجوانب التي تسمو بالإنسان وترتفع به إلى درجات الكمال الإنساني، قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقو الله إن الله خبير بما تعملون} الآية (8) من سورة المائدة.