يهدف هذا البحث إلى تمحيص مقولة أن الإسلام معوق للتنمية ليس عن طريق تلمس وعرض حجج ورؤى الكتابات التي تدافع عن الإسلام من منظور فقهي شرعي، وإنما عن طريق الإحتكام إلى قاعدة من البيانات التجريبية. ذلك أن التوصل إلى إستنتاجات حول حقيقة علاقة الإسلام بالتنمية - بمعنى هل يعيقها أم يساعد عليها أم إنه عامل محايد - لا يكون بالجدل الفكري النظري وإنما باتباع منهاجية علمية جوهرها الجمع المنظم لبيانات واقعية مع إخضاعها للقياس.
ولا نحسب أننا بحاجة إلى الإفاضة في الحديث عن أهمية البحث. ولكن يكفي القول بأن الدراسة التجريبية لعلاقة الإسلام بالتنمية من شأنها أن تساعد في بناء نظرية التنمية. وهي أيضاً يمكن أن تفيد المسؤولين في مجتمعاتنا العربية في وضع سياسات إنمائية جادة تتضمن بعث الحضارة العربية الإسلامية وتجعل الإسلام بالفعل عقيدة عمل وتحرر وعدل ورقي.
ثانياً: تعريف المفاهيم المستخدمة في البحث.
تستخدم الدراسة مفهومين رئيسيين هما الإسلام والتنمية بالإضافة إلى عدد من المفاهيم الفرعية كالمساواة والمواطنة والمشاركة السياسية. هذه المفاهيم تتعدَّد وتتنوَّع تعريفاتها النظرية كغيرها من المفاهيم المتداولة في الأدبيات الإجتماعية. وحتى يتسنى دراستها واقعياً، كان لابد من تعريفها إجرائياً، أي تحويلها إلى مؤشرات أو عناصر تقبل الملاحظة والقياس.
(1) الإسلام:
تأخذ الدراسة الإسلام على أنه مراده للتدين Religiosity أو الإلتزام الديني Religious Commitment. وهذا بدوره بحاجة إلى تعريف عملي.
يتحدث (( تشارلز جلوك ) )عن عدة أبعاد أو أوجه للتدين: العاطفة أو الشعور، الطقوس (السلوك الديني) ، المعتقدات، والمعرفة [5] . وفي قياسه لتدين المسلم، اعتمد (( كلود سوتكليف ) )على السلوك (معبراً عنه بعدد الأوقات التي يصليها المرء عادة في اليوم) . ولكنه ألمح إلى أن أي مؤشر سلوكي لا يكفي لقياس التدين لكون السلوك واحداً من أبعاده [6] .