ولقد نشأت مدن تحمل زخارف هذه الحضارة. ففي كوالامبور عاصمة ماليزيا قامت أعلى ناطحات سحاب في العالم. وقامت بكين وشنغهاي يعلو فيها البناء وتعلو الناطحات بدلاً من برلين كذلك، وحلَّت بانكوك محل ديترويت في صناعة السيارات، وأخذت اليابان تنتج سياراتها في تايلند، وأصبحت"تايبيه"وريثة وادي السيلكون، وأصبحت بومبي تنتج من الأفلام أضعاف ما تنتجه هوليود.
ومدينة مثل"شنغهاي"أصبحت تتطلّع لتكون المركز الاقتصادي الأول لتنافس طوكيو ونيويورك. فتقوم منافسة هوجاء وتثور عواصفها بحيث لا يبقى مكان للنائمين والخاملين. صراع عنيف وتنافس رهيب على مراكز دنيوية من تجارة وبناء وصناعة، لا تحمل معها رحمة على الضعفاء والمساكين، وكأن العالم أصبح سوقاً تجارية واحدة! فهل هذا لخير الإنسان؟! كلا! لأن هذه السوق يقف فيها كبار المجرمين في الأرض يدوسون كل خامل وضعيف يقترب من السوق ومفاسده وشروره. فهي عولمة محصورة بفريق من البشر، فلا مجال لنموّ مطّرد يضم البشرية كلها. إلا نموّ الفساد والفتن بأشكالها المختلفة المتجددة. إنها عولمة أهواء وأصحاب الأهواء.
وبناء"القرية الأولومبية العالمية: Global Olympic Village"اقتضى هدم منازل الفقراء المحشورة بين المباني الشامخة للشركات الكبرى. ولم تستطع الألعاب الأولومبية بكل ما فيها من متع أن تُخْفي زيف صداقة الشعوب، الصداقة الذي تُغَنِّيها قصائد وأغان متنوّعة.
إنَّ جميع المدن الشبيهة بأتلانتا بالتقنية العالية من ناحية، وبعدم الاهتمام بالمشاعر الإنسانية الحقيقية، أصبحت أشبه ما تكون قلاعاً للاقتصاد وقلاعاً للثراء الطاغي، يحيط بها موج من البشرية الفقيرة.
ربما كانت لا مبالاة الأثرياء في أحضان الثراء الفاحش لا مبالاة مخجلة، ولكنها تحوّلت مع الاستمرار والمداومة إلى كبر وغرور، ووهم لا بدَّ أن ينجلي مع الأيام على سنن لله ثابتة في الحياة الدنيا.