نعم؛ لا شك أنَّ الحكم على الناس يكون بالظاهر، والله يتولَّى السرائر، كما نطق بذلك فقهاء الإسلام، ونصَّ عليه جمعٌ من العلماء؛ كابن تيمية، والشاطبي، والنووي، وغيرهم؛ بل حكى الإمام ابن حجر الإجماع على ذلك، فقال:"وكلُّهم أجمعوا على أنَّ أحكام الدنيا تجري على الظاهر، والله يتولَّى السرائر"؛ (فتح الباري:12/273) .
ولكن؛ هل المراد بقاعدة (الحكم على الناس بالظاهر) أن يقوم الإنسان بالحكم من أوَّل نظرة؟! لا؛ فذلك لا يليق بأصحاب العقول الفطنة، ومن المعلوم أنَّه: ما كلُّ بيضاء شحمة، ولا كلُّ سوداء تمرة.
ولو كانت نظرتنا بهذا الشكل؛ لكان الخوارج الضُّلاَّل أولى الناس بأن يكونوا من أهل التُّقى والزهد والصلاح؛ فقد وصف - عليه الصلاة والسلام - عبادتهم بقوله: (( تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم ) )؛ (رواه البخاري: 6532-6534) .
والأمر هنا واضح؛ بأنَّ النظرة السطحيَّة لا ينبغي أن يؤخذ بها مباشرةً وعلى الإطلاق؛ فقد تستهوينا عبادة رجل، بيد أنَّه في مجال المعاملة مع إخوانه المسلمين قد يظلم، وقد يكذب ويغش، ويحلف اليمين الغَموس!.
لقد اشتُهر عن العبقري الصحابي الجليل عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّه حين جاء شاهدٌ يشهد عنده، قال له عمر: ائتِ بمن يعرِّفك. فجاء برجل، فقال له: هل تزكِّيه؟ هل عرفته؟. قال: نعم. فقال عمر: وكيف عرفته؟ هل جاورته المجاورة التي تعرف بها مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم اللذين تعرف بهما أمانة الرجال؟ قال: لا. فقال: هل سافرت معه السفر الذي يكشف عن أخلاق الرجال؟ قال: لا. فقال عمر بن الخطَّاب: فلعلَّك رأيته في المسجد راكعاً ساجداً، فجئت تزكِّيه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال له عمر بن الخطاب: اذهب؛ فأنت لا تعرفه، ويا رجل ائتني برجل يعرفك، فهذا لا يعرفك [1] .