ومن هنا نعلم علم اليقين خطورة الحذر من التزكية الظاهرة، والنظرة السطحيَّة العابرة، التي نزكِّي بها فلاناً وعلاَّناً، من خلال نظرات عامَّة. وما الأخبار التي تأتينا أو نسمع بها من حالات الخصام الزوجي أو الطلاق من أناس كانت المرأة أو الرجل يحسب كلُّ أحد منهم الآخر أنَّه - أو أنَّها - من أهل الخير والبرِّ والصلاح لمظهرهم الحسن؛ بيد أنَّها حين تعاملت معه - أو حين تعامل الرجل معها - انكشفت حقائق ما كان مستوراً، وبدت مكنونات قلبيهما تظهر وتبدو، إلى أن حصل الشقاق والخلاف.
أخرج البخاري - رحمه الله - في"صحيحه": أنَّ رجلاً اسمه عبدالله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحِك الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب؛ فأُتِيَ به يوماً فجُلد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه؛ ما أكثر ما يؤتى به!. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تلعنوه؛ فوالله ما علمت إلاَّ أنه يحب الله ورسوله ) )؛ (أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - برقم 6398) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذا:"... فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب؛ لكونه يحب الله ورسوله، مع أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لعن في الخمر عشرة: لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها. ولكنَّ لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة به، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق؛ ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط، وانتفاء موانع"؛ (الفتاوى: 10/329-330) .